صوت الأمة ــ عبد الله حسن

من الخرطوم إلى أبردين، ومن التجربة الشخصية للاغتراب إلى منصات الأدب العالمي، استطاعت الروائية والقاصة السودانية البريطانية ليلى أبو العلا أن تصنع لنفسها مكانة بارزة بين الأصوات الأدبية المعاصرة التي تكتب باللغة الإنجليزية، مقدمة أعمالًا تنشغل بأسئلة الهوية، والانتماء، والهجرة، والعلاقة بين الإنسان ومعتقداته في عالم متعدد الثقافات.

حازت أبو العلا مؤخرًا على جائزة "بين بينتر" (PEN Pinter Prize) البريطانية لعام 2025، تقديرًا لمسيرتها الأدبية وإسهاماتها في تناول قضايا إنسانية وفكرية تتصل بالتسامح وحرية التعبير، في تتويج جديد لمسار أدبي امتد لعقود، وحملت فيه الأدب السوداني إلى جمهور عالمي.

ولدت ليلى أبو العلا في القاهرة عام 1964 لأب سوداني وأم مصرية، وهي ابنة أول عالمة ديمغرافيا في السودان، قبل أن تنتقل الأسرة إلى الخرطوم، حيث نشأت وتكونت ملامح تجربتها الأولى. تلقت تعليمها في مدرسة الخرطوم الأمريكية، ثم درست الاقتصاد بجامعة الخرطوم، وتخصصت في الإحصاء، قبل أن تواصل دراستها العليا في كلية لندن للاقتصاد وتحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه.

شكلت الهجرة إلى اسكتلندا عام 1990 نقطة تحول رئيسية في حياتها، إذ انتقلت إلى مدينة أبردين، وهناك بدأت علاقتها الاحترافية بالكتابة، مستفيدة من تجربة المنفى والغربة بوصفها نافذة للتأمل في معنى الوطن والهوية والانتماء.

تميزت أعمال ليلى أبو العلا بقدرتها على تقديم شخصيات نسائية مسلمة بصورة مختلفة عن الصور النمطية الشائعة في الأدب الغربي؛ فبطلاتها لا يظهرن في مواجهة الدين أو القيم الروحية، بل يجدن فيها أحيانًا مصدرًا للسكينة وإعادة اكتشاف الذات. وتجمع كتاباتها بين حساسية التجربة الفردية وتعقيدات التعايش بين الثقافات، دون أن تفقد البعد الإنساني لشخصياتها.

في روايتها "المترجمة" (The Translator)، التي اختارتها صحيفة نيويورك تايمز ضمن قائمة أبرز 100 كتاب، تناولت الفجوة الثقافية بين الشرق والغرب من خلال قصة تجمع بين الحب والاختلافات الحضارية. أما رواية "مئذنة" (Minaret)، فتتتبع رحلة امرأة سودانية في لندن تبحث عن هويتها وسط مجتمع جديد وظروف حياتية متغيرة.

وفي "حارة المغنى" (Lyrics Alley)، تستعيد أبو العلا جانبًا من تاريخ السودان الاجتماعي قبيل الاستقلال، مستلهمة حياة عمها الشاعر حسن أبو العلا، بينما تقدم في روايتها الأحدث "روح النهر" (River Spirit) سردًا تاريخيًا واسعًا يستعيد السودان خلال فترة الثورة المهدية والاستعمار البريطاني، من خلال شخصيات تتقاطع فيها الأسئلة السياسية والإنسانية.

حصدت ليلى أبو العلا عددًا من الجوائز الأدبية العالمية، من أبرزها جائزة كاين للأدب الإفريقي عام 2000 عن قصتها القصيرة "المتحف"، لتصبح أول فائزة بهذه الجائزة المرموقة، كما نالت جائزة سالتير للكتاب الخيالي عن مجموعتها القصصية "في مكان آخر، المنزل".

تمثل تجربة ليلى أبو العلا نموذجًا لكاتبة حملت معها أسئلة وطنها الأول إلى فضاء عالمي، وجعلت من الهجرة مادة أدبية ثرية، ومن البحث عن الهوية جسرًا بين الثقافات. فهي تكتب عن السودان من بعيد، لكنها تظل قريبة من تفاصيله وذاكرته، مقدمة صوتًا أدبيًا يثبت أن الحكايات المحلية قادرة على الوصول إلى القارئ في كل مكان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...