صوت الأمة

كان عبد الله يحدق في ضفاف نهر "دي" شمال ويلز، بينما كانت أشعة الشمس تنعكس على المياه الهادئة. للحظة، بدا المشهد مألوفًا، وكأنه يعيده آلاف الكيلومترات إلى قريته الصغيرة في إقليم دارفور غرب السودان، قبل أن تقتلعها الحرب من ذاكرته كما اقتلعته من أرضه.

وصل عبد الله إلى المملكة المتحدة طالبًا للجوء بعد رحلة فرار طويلة فرضتها الحرب في السودان. وبينما يقضي كثيرًا من وقته في انتظار قرارات اللجوء، وجد في الطبيعة ملاذًا يمنحه شعورًا افتقده منذ سنوات.

في متنزه "تي ماور" الريفي، انضم إلى عشرات اللاجئين والمتطوعين البريطانيين لإزالة نبات بلسم الهيمالايا الغازي الذي يهدد الحياة البرية على ضفاف النهر. وتحت حرارة قاربت ثلاثين درجة مئوية، واصل العمل بصمت.

ينتمي عبد الله إلى مجموعة من طالبي اللجوء المشاركين في مبادرة بيئية تجمع بين مؤسسات خيرية ومنظمات معنية بحماية الطبيعة، بهدف استعادة البيئة وبناء جسور التواصل بين اللاجئين والمجتمعات المحلية.

تندرج هذه الأنشطة ضمن مشروع "العمل من أجل اللجوء" الذي تنفذه مؤسسة Taskforce Trust منذ عام 2020، بهدف إشراك طالبي اللجوء في أعمال تطوعية تخدم البيئة وتساعدهم على بناء علاقات جديدة داخل المجتمع البريطاني.

ومؤخراً حصل المشروع على تمويل قدره 1.62 مليون جنيه إسترليني من صندوق العمل المناخي التابع لليانصيب الوطني، ما يتيح توسيع نطاق المبادرة خلال السنوات الثلاث المقبلة لتشمل مدناً جديدة مثل شيفيلد ونيوكاسل وبولتون، إلى جانب استمرار الأنشطة في ليدز وستوكتون أون تيز وبورتسموث ومناطق أخرى في إنجلترا وويلز.

ومن المتوقع أن يشارك أكثر من ثلاثة آلاف متطوع في نحو 120 فعالية بيئية كبرى، تشمل زراعة الأشجار، وتنظيف الأنهار، واستعادة المواطن الطبيعية، في إطار جهود مواجهة آثار التغير المناخي.

ويؤكد القائمون على المشروع أن الفوائد لا تقتصر على البيئة وحدها، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية وتعزيز الثقة بالنفس لدى طالبي اللجوء، الذين يواجه كثير منهم العزلة وصعوبة الاندماج بعد وصولهم إلى المملكة المتحدة.

وتقول جين، وهي لاجئة وإحدى سفيرات المبادرة، إن غرس الأشجار يمثل رسالة إنسانية قبل أن يكون عملاً بيئياً، مضيفة: "حين نغرس شجرة لا يهم من نكون أو من أين أتينا، فجميعنا ننتمي إلى هذا الكوكب. نحن لا نزرع الأشجار فقط، بل نزرع الانتماء والأمل."

من جانبها، أوضحت إيما ليبر، مديرة المشروع في منظمة Action Asylum، أن التمويل الجديد سيسمح بتوسيع المبادرة بعد أن أثبتت نجاحها في جمع الناس داخل المساحات الطبيعية، مؤكدة أن المشاركة في استعادة البيئة تمنح طالبي اللجوء فرصة لاستعادة الثقة بالنفس والشعور بقيمة دورهم داخل المجتمع.

يقول عبدالله وهو يتأمل المساحات الخضراء الممتدة: "هذا المكان جميل للغاية... يبدو بعيدًا جدًا عن وزارة الداخلية." كانت تلك الكلمات تختصر حياة يعيشها بين انتظار القرار الرسمي، والبحث عن مساحة يشعر فيها بأنه إنسان قبل أن يكون رقمًا في ملف لجوء.

وعندما انتقل إلى زراعة الخضروات، عاد الزمن به إلى طفولته في دارفور.

يتذكر كيف كان يزرع البصل والثوم في أرض قريته، بينما كانت والدته تعتني بأشجار المانجو والليمون والفلفل الحار، ثم تحمل محصولها إلى السوق. كانت الحياة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالدفء والانتماء.

ثم جاءت الحرب.

تفرقت العائلة، وغادر الجميع إلى بلدان مختلفة، تاركين خلفهم البيت والأرض والذكريات.يقول عبد الله بصوت يختلط فيه الحنين بالألم: "إن زراعة الأشياء هنا تذكرني ببلدي قبل أن نضطر إلى الفرار."

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...