يحكي الفنان صلاح مصطفى، وكان ذلك عبر سهرة حالمة في "عيون الليل" من خلال إذاعة إف إم 100.
كنت عائدًا من رحلة فنية خارجية إلى مدينة بيروت مع بعض الزملاء الفنانين، وكان ذلك في العام 1961م، حيث شدونا بسلمنا الخماسي للبنانيين، وفرضنا عليهم طربًا ومغنى انتشوا له وسعدوا به كثيرًا، وشكرونا جميلًا حتى كادت هاماتنا تطاول السحاب.
وفي طريق العودة، وجدتني فجأة أمسك بزمام لحن شارد، وكلمات مقطع شعري كان من عادتي أن تفرده حنايا الروح، مدوزنًا مموسقًا بلحن سكوب. وكان مطلع الأغنية هكذا:
"من الأعماق يا حبيبي يا غالي.. يا ساكن قلبي.. يا شاغل بالي
من الأعماق يا جميل ناديتك.. واتمنيتك واترجيتك.. تسمح لي بكلمة معاك
من الأعماق صحيح حبيتك.. واستنيتك ويوم لا لاقيتك.. بقى ما لي في الدنيا سواك
يا نور عيني.. يا غالي عليّ.. حلمك حلمك.. على مضناك"
وعندما وصلت الخرطوم، اتصلت بالصديقين الشاعرين محجوب سراج والدكتور علي شبيكة، وأخبرتهما بأنني "قبضت" لحن أغنية جديدة، ورجوتهما أن يجتهدا لي بباقي القصيدة على نفس النهج، فوعدا خيرًا.
وبعد يومين جاءني محجوب سراج بمقطع يقول:
"من الأعماق أسرتني عيونك.. وكيف عايزني أعيش من دونك.. وإنتِ حبيبي البتمناك
من الأعماق لاقاني حنينك وعشت أمني حياتي سنينك.. كل جوارحي تقول أهواك
بس لو كنت عرفت حناني.. بقيت يا حبيبي قليل تهواني.. كنت أكيد حققت مناك"
وبعده جاءني علي شبيكة بمقطع على ذات الوتيرة، يقول:
"من الأعماق أنا أنا لو تدري.. يا حبي العذري وملهم شعري.. عشت سنين مستني لقاك
من الأعماق يا نديد البدري.. شبيه الزهري وفرحة عمري.. أملي الدهري أعيشو معاك
أحنو عليك وتحنو عليّ.. تملأ الدنيا هوى وحنية.. وأفرح بيك وأغني هواك"
وغنيت الأغنية على المسرح القومي. ولمّا كان من عادتي إحقاق الحق لأهله، وذكر اسم شاعر الأغنية قبل أن أبدأ الغناء، فقد أخبرت الجمهور بأن هذه الأغنية "ثلاثية الأبعاد" من حيث الدفق العاطفي؛ أنا لي المقطع الاستهلالي، ولمحجوب سراج خصر القصيدة، وللدكتور علي شبيكة الخاتمة الميمونة!
اندهش الجمهور، ولكن إعجابه باللحن والأغنية الجديدة غطى على ردّة فعلهم تجاه معلومة الملكية المتعددة لنص القصيدة.
المهم، أحرزت الأغنية نجاحًا باهرًا، وبقيت على كل لسان. ولمّا تقدمت للإذاعة السودانية بغرض تسجيلها على هذا النحو، اعتذروا لي بأنه من غير الممكن اعتماد النص لثلاثة شعراء، ولا بد من أن تُسجل باسم واحد منكم.
اجتمعنا، وناقشنا المسألة وطريقة الحل، وأعلنت تنازلي تقديرًا لهما، ولكنهما رفضا باعتبار أن لي شرف "لحن البدايات" وتفجير المقطع الإبداعي الأول.
وأخيرًا اتفقنا، تحت طائلة المرح الشفيف بين الأصدقاء، على قرعة عادلة، وجاءت من نصيبي.
فأصبحت "من الأعماق" في سجلات الإذاعة السودانية من كلمات ولحن وأداء الفنان صلاح مصطفى.



التعليقات (0)
جاري التحميل...