في ندوة مشهودة سبقت انقلاب 25 أكتوبر 2021م، أطلق الكاتب الحاج وراق وصفه الشهير: "انقلاب برأسين، سريعًا ما سيختلفان، إنه انقلاب خلّاقة". وبعد خمس سنوات، لم تعد العبارة مجرد توصيف سياسي ساخر، بل تبدو استشرافًا لمآلات صراع مراكز القوة الذي انتهى بالسودان إلى حرب مدمرة منذ 15 إبريل 2023م.
لم يكن انقلاب أكتوبر حدثًا منفصلًا عن الحرب، بل محطة مفصلية في مسارها. فقد أطاح بالشراكة الانتقالية، وأغلق الطريق أمام تطور مدني كان يمكن أن يضع إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية وتوحيد مراكز القرار تحت سلطة دستورية في صدارة الأولويات. وبدلًا من معالجة التناقضات داخل المنظومة العسكرية، أعاد الانقلاب ترتيب السلطة بالقوة، بينما ظلت الأسئلة الجوهرية بشأن القيادة والسيطرة ومستقبل قوات الدعم السريع، بلا إجابات ملزمة.
ومع انهيار المسار الانتقالي، تعمقت أزمة الشرعية، وتراجعت فرص بناء مؤسسات قادرة على احتواء التنافس بين الجيش والدعم السريع. وعندما انفجر الصراع في إبريل 2023م، انتقلت التناقضات التي عجزت السياسة عن تسويتها إلى ميادين القتال، ودفع السودانيون ثمنها دمًا ودمارًا ونزوحًا وانهيارًا اقتصاديًا.
لا يعني ذلك أن الانقلاب وحده يفسر اندلاع الحرب، فالأزمة أعمق، وجذورها تمتد إلى بنية الدولة المختلة وتعدد مراكز القوة المسلحة وتراكم إخفاقات الانتقال. لكن 25 أكتوبر مثّل ضربة حاسمة للمسار الذي كان يفترض أن يعالج هذه الاختلالات سياسيًا ودستوريًا، وترك البلاد أكثر عرضة لانفجارها.
خسر السودان، خلال خمس سنوات، فرصة بناء دولة مدنية، ووقتًا ثمينًا لإصلاح مؤسساته، ثم وجد نفسه أمام حرب تهدد وحدته ومستقبله. وتتحمل القوى المدنية نصيبها من مسؤولية الإخفاق، لكن أخطاءها لا تبرر الانقلاب ولا تعفي من اختاروا القوة بديلًا عن السياسة، من مسؤولية تبعات ذلك المسار.
هكذا تتجلى "الخلّاقة" في أقسى صورها: انقلاب لم ينهِ الأزمة، بل ترك تناقضاتها تتفاقم حتى انفجرت حربًا. والدرس اليوم أن إنهاء الحرب لا ينفصل عن معالجة أسبابها، وفي مقدمتها بناء جيش مهني موحد، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة، وإعادة تأسيس انتقال مدني ديمقراطي.



التعليقات (0)
جاري التحميل...