في هذا اليوم، تمر علينا ذكرى كرري، كواقعة انقضت قبل أكثر من قرن، وكواحدة من اللحظات التي تشكلت فيها الذاكرة السودانية، وتجلّت فيها إرادة شعب لم يستسلم للمستعمر.

في كرري عام 1898م، واجه السودانيون جيشًا إمبراطوريًا متفوقًا في السلاح والتنظيم والتقنية، فسقط الآلاف دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم. وكانت النتيجة هزيمة مهّدت لعودة الاستعمار، لكنها لم تستطع أن تنهي الفكرة التي حملها أولئك الرجال والنساء: أن الحرية لا تُنتزع من الذاكرة.

ولعل أعظم ما تركته كرري هو الأثر الذي بقي بعدها. فقد أدرك المستعمر أن السيطرة على الأرض لا تعني السيطرة على الوجدان، وأن الشعوب التي عرفت طريق المقاومة لا تنسى بسهولة معنى الحرية. وظلت روح البسالة والصمود حاضرة في الوعي الوطني، تلهم أجيالًا متعاقبة في مقاومة الاستعمار والاستبداد.

واليوم، ونحن نستعيد ذكرى كرري، لا نحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، ولا إلى تمجيد الحرب لذاتها؛ بل نحتاج إلى استعادة المعنى الأعمق للذكرى؛ الإرادة الوطنية، ووحدة السودان، واستقلال القرار.

إن وطنًا يملك مثل هذه الذاكرة لا ينبغي أن يستسلم لليأس. فالتاريخ يعيش في وجدان الشعوب، ويظل أثره قادرًا على صناعة المستقبل.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...