لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد انعكاس جانبي للحرب، بل أصبحت أحد أبرز ملامح استمرارها، ووجهًا آخر لمعاناة ملايين السودانيين الذين يدفعون يوميًا ثمن صراع طال أمده، وتراجعت معه فرص الحياة الكريمة، وتآكلت القدرة على الاحتمال.
وصول سعر صرف الدولار إلى أكثر من 9300 جنيه سوداني، ليس مجرد رقم في نشرات الأسواق، بل مؤشرًا على عمق الاختلال الاقتصادي، وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية، واتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف المعيشة. فكل تراجع للجنيه ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والوقود، ويضع أعباءً إضافية على أسر أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
ولا تقف المخاطر عند حدود الداخل السوداني. فالتوترات والأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وما قد يصاحبها من اضطراب في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، تنذر بمزيد من الضغوط على اقتصاد هش يعتمد على الاستيراد، في وقت تتراجع فيه الموارد وتتسع فيه الاحتياجات الإنسانية.
إن استمرار الحرب يعني استنزاف ما تبقى من مقدرات البلاد، وتعطيل الإنتاج، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتبديد فرص التعافي. وفي ظل هذا المشهد، لا يجوز التعامل مع الانهيار الاقتصادي بوصفه أزمة منفصلة عن مسار الحرب، أو تأجيل معالجته إلى ما بعد توقف القتال.
فالمواطن السوداني لا ينتظر تسوية سياسية ليدفع ثمن الحرب؛ إنه يدفعه الآن، في رغيف الخبز وجرعة الدواء وتكاليف التنقل والتعليم. وكل يوم إضافي من الحرب يضاعف الفاتورة، ويجعل التعافي أكثر صعوبة.
إن وقف الحرب وفتح الطريق أمام السلام واستعادة النشاط الاقتصادي لم تعد خيارات سياسية مؤجلة، بل ضرورة لحماية ما تبقى من حياة السودانيين ومستقبل بلادهم.



التعليقات (0)
جاري التحميل...