طالعتنا صحيفة "الميدان"، الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوداني، في كلمة العدد بتاريخ 16 يوليو، تتضمن هجومًا غير مبرر على حزب الأمة القومي وقيادته، وحفل بجملة من المغالطات التاريخية والانتقائية السياسية التي لا تحتاج إلى كبير عناء لكشف تناقضاتها وتفنيدها.

وليس مستغربًا أن يصدر مثل هذا الخطاب عن حزب ظل، خلال السنوات الأخيرة، يعاني ارتباكًا سياسيًا وفقدانًا واضحًا للبوصلة، منذ خروجه من تحالف قوى الثورة وانخراطه في مواقف مناهضة للحكومة الانتقالية، وإعلانه صراحة العمل على إسقاطها، في موقف التقت نتائجه، موضوعيًا، مع أهداف القوى المناهضة لثورة ديسمبر المجيدة والمتربصة بمشروع الانتقال الديمقراطي.

وإذا كان كلمة العدد قد استعادت التاريخ باتهام حزب الأمة القومي بالمسؤولية عن انقلاب الفريق إبراهيم عبود، فإن هذه المزاعم تصطدم بالحقائق التاريخية الثابتة. فقد أعلن حزب الأمة، منذ اليوم الأول، رفضه القاطع للانقلاب، وقاد عبر مؤسساته السياسية جبهة المعارضة الوطنية لنظام عبود، وكان في طليعة القوى التي واجهت النظام وقدمت في سبيل ذلك تضحيات جسام، كان أبرزها استشهاد الإمام الصديق المهدي، عليه رضوان الله، إثر أحداث المولد الشهيرة التي استشهد فيها نفر كريم من الأنصار، ثم واصل الحزب نضاله مع القوى الوطنية وكان أحد أبرز قادة ثورة أكتوبر المجيدة التي أنهت الحكم العسكري.

وفي المقابل، فإن الحزب الشيوعي، الذي يرفع شعار الدفاع عن الديمقراطية واحترام إرادة الجماهير، كان طرفًا رئيسًا في التخطيط لانقلاب مايو 1969م بقيادة جعفر نميري، الذي أطاح بحكومة ديمقراطية منتخبة. كما ارتبط اسمه سياسيًا بالدفاع عن النظام في سنواته الأولى، وبمواقف مؤيدة للهجوم على الأنصار في الجزيرة أبا وود نوباوي والتي أدت إلى استشهاد المئات من الأنصار وإمامهم الإمام الهادي عليه الرضوان، وما كتبه إعلام الحزب الشيوعي صبيحة تلك المجزرة موثق وشاهد على ذلك. وهي أحداث دامية لا تزال راسخة في الذاكرة الوطنية.

وعلى الرغم من فداحة تلك الجرائم، فقد تجاوزت جماهير حزب الأمة والأنصار تلك المرحلة بروح المسؤولية الوطنية، وقدمت مصلحة السودان على مرارات الماضي.

ولم يتوقف ذلك الإرث عند انقلاب مايو، بل تكرر المشهد في انقلاب هاشم العطا عام 1971م، الذي ارتبطت به مأساة بيت الضيافة، وهي واحدة من أكثر الحوادث دموية في التاريخ السياسي السوداني.

وعلى الرغم مما صدر لاحقًا من مراجعات واعترافات من بعض قيادات الحزب، فإن ذلك لا يمنح الحزب حق الادّعاء باحتكار الفضيلة السياسية أو توزيع صكوك الوطنية على الآخرين.

كما تضمن المقال مغالطات واضحة بشأن مقررات أسمرا للقضايا المصيرية، إذ زعم أنها صدرت بعد خروج حزب الأمة القومي من التجمع الوطني الديمقراطي، بينما تؤكد الوقائع أن حزب الأمة كان من مؤسسي التجمع الوطني الديمقراطي، وأحد أكبر فصائله السياسية، كما كان ثاني قوة سياسية تؤسس جناحًا عسكريًا لمقاومة نظام الإنقاذ بعد الحركة الشعبية، وقدم جيش الأمة شهداء وتضحيات كبيرة في مواجهة النظام، وأسهم مع بقية قوى المعارضة في إرغامه على الجلوس إلى طاولة التفاوض، وقد كان له دور رئيس في إنجاح مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995م.

وعندما دخل حزب الأمة القومي في حوار مع نظام الإنقاذ، لم يكن ذلك طلبًا للسلطة أو بحثًا عن مكاسب حزبية، وإنما كان انطلاقًا من رؤية سياسية تستهدف انتزاع الحقوق الوطنية وتهيئة الطريق لتحول ديمقراطي شامل.

ولذلك رفض الحزب المشاركة في السلطة إلا عبر حكومة قومية انتقالية قائمة على التوافق الوطني.

أما الحزب الشيوعي، فإن مفاوضاته مع النظام انتهت بمشاركته في المجلس الوطني لحكومة الإنقاذ بخمسة أعضاء، وأجيزت خلال تلك الفترة، وهو جزء من المؤسسة التشريعية، العديد من القوانين المقيدة للحريات، التي استُخدمت في مصادرة الصحف، وتكميم الأفواه، ومحاكمة المعارضين أمام نيابات ومحاكم أمن الدولة دون أن يصدر من الحزب أي موقف ضدها.

وعند اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، كان الحزب الشيوعي من آخر القوى التي وافقت على إعلان الحرية والتغيير، ثم اتّجه لاحقًا إلى السعي لاحتكار الحراك الثوري وتوجيهه بما يخدم رؤيته التنظيمية، الأمر الذي أسهم في إضعاف وحدة قوى الثورة وتقسيم لجان المقاومة، وهي الوحدة التي كانت أحد أهم أسباب نجاح الثورة في إسقاط النظام.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ظل الحزب داخل تحالف قوى الحرية والتغيير مصدرًا دائمًا للخلافات، معرقلًا كثيرًا من محاولات التوافق والإصلاح، قبل أن يعلن صراحة العمل على إسقاط حكومة الثورة، في توقيت كانت فيه قوى الثورة تواجه محاولات الثورة المضادة، الأمر الذي وفر، من حيث النتيجة، غطاءً سياسيًا للمسار الذي انتهى بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.

وعندما انخرطت القوى المدنية في مقاومة الانقلاب والعمل على استعادة مسار الانتقال الديمقراطي وتجنيب البلاد الانزلاق نحو الحرب، انصرف الحزب الشيوعي إلى مهاجمة القوى المدنية أكثر من تركيزه على مواجهة الانقلاب نفسه. واستمر هذا النهج بعد اندلاع الحرب، حيث أصبح خطابه موجهًا بصورة أساسية ضد القوى المدنية المناهضة للحرب، في مواقف وجدت إشادة من بعض قيادات الحركة الإسلامية، وهو ما يثير كثيرًا من علامات الاستفهام حول أولويات الحزب وخياراته السياسية.

وعلى الرغم من ذلك، لم تتوقف محاولات التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، وحزب الأمة القومي، عن السعي للتواصل مع الحزب الشيوعي، وتقريب وجهات النظر، والعمل على توحيد القوى المدنية، إلا أن الحزب ظل أسيرًا للتناقض بين خطاب يصدر عن بعض قياداته يدعو إلى الحوار، وآخر يتبنى خطابًا تصعيديًا وعدائيًا يقوّض فرص بناء جبهة مدنية موحدة.

إن التاريخ السياسي لأي حزب ينبغي أن يكون دافعًا للمراجعة والنقد الذاتي، لا منصة لتوجيه الاتهامات المجانية للآخرين. ولذلك، فإن الحزب الشيوعي، وهو أحد أقدم الأحزاب السودانية، أولى اليوم بأن ينشغل بإجراء مراجعة جادة لتجربته السياسية ومواقفه المتقلبة، بدلًا من توزيع الاتهامات على القوى المدنية التي لا تزال تبذل جهودًا متواصلة لإنهاء الحرب، وتخفيف معاناة السودانيين، واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي.

ولعل قيادات الحزب الأكثر وعيًا وإدراكًا لتاريخه، تدرك أن استعادة البوصلة الوطنية باتت ضرورة ملحة، بعد أن أصبحت مواقف الحزب، في كثير من المحطات، تتقاطع في نتائجها مع مواقف القوى المضادة لثورة ديسمبر ودعاة الحرب والاستبداد، وهو تقاطع لا يخدم سوى إطالة أمد الأزمة الوطنية وتعميق معاناة الشعب السوداني.

نواصل...

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...