صوت الأمة: تقرير

هربوا من القتال في قيسان بحثاً عن الأمان في ود الماحي، لكن الحرب التي تركوا خلفهم منازلهم وممتلكاتهم هرباً منها لحقت بهم إلى مكان نزوحهم، بعدما استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة مشروع أبو شندي بإقليم النيل الأزرق، وأسفرت عن مقتل عشرات المدنيين وإصابة آخرين، في حادثة أعادت المخاوف إلى أسر كانت تأمل في أن تجد، بعيداً عن مناطق المواجهات، فرصة للنجاة من الحرب المستمرة في السودان منذ 15 أبريل 2023.

ووفقاً لإفادات محلية، خلّفت الهجمات التي وقعت في التاسع من أكتوبر نحو 40 قتيلاً وعشرات المصابين، قبل أن تشير إحصائية لاحقة إلى ارتفاع عدد القتلى إلى 41 شخصاً، وسط أوضاع إنسانية صعبة تعيشها المنطقة التي تستقبل نازحين فروا من القتال، ويعتمد كثير منهم على مصادر المياه والخدمات الأساسية المحدودة.

ولم تقتصر تداعيات الهجوم على الخسائر البشرية، إذ طالت الهجمات مشروعاً يمثل مصدراً للمياه يعتمد عليه السكان والنازحون في احتياجاتهم اليومية، الأمر الذي أثار مخاوف إضافية بشأن حصول الأسر على المياه، في وقت تواجه فيه المنطقة ضغوطاً متزايدة نتيجة النزوح واستمرار الحرب.

وتزداد معاناة النازحين مع تكرار الهجمات في المناطق التي يقصدونها بحثاً عن الأمان، بعدما أصبح الوصول إلى المياه والعلاج والمأوى تحدياً يومياً، إلى جانب الخوف من تعرضهم لهجمات جديدة. وبينما يحاول الأهالي التعامل مع آثار ما حدث، لا تزال مشاهد القتلى والمصابين حاضرة في ذاكرة الناجين الذين وجدوا أنفسهم أمام مأساة لم يتوقعوا مواجهتها بعد مغادرة مناطق القتال.

شهادات ناجين

كان الناجي صلاح أحمد علي من بين الموجودين في مشروع أبو شندي وقت الهجوم، بعدما نزح مع آخرين من قيسان إلى ود الماحي بحثاً عن مكان آمن، غير أن الهجمات التي طالت المنطقة أعادت إليه وإلى بقية النازحين مشاهد الحرب التي حاولوا الابتعاد عنها.

وفي حديثه مع «صوت الأمة»، وصف اللحظات التي أعقبت الهجوم بأنها كانت مرعبة، موضحاً أن السكان وجدوا أنفسهم فجأة وسط حالة من الخوف والارتباك، بينما انشغل الأهالي بالبحث عن أفراد أسرهم والاطمئنان على مصيرهم.

وقال: "نحن خرجنا من مناطق الحرب عشان نحافظ على أرواحنا ونلقى مكانا آمنا نعيش فيه، لكن الحصل في أبو شندي كان صدمة كبيرة بالنسبة لينا. فجأة لقينا أنفسنا وسط مشهد صعب، في قتلى ومصابين، والناس في حالة خوف وارتباك، وكل زول بفتش عن أهله وذويه".

ولم يكن وقع الحادثة سهلاً على النازحين الذين سبق أن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، فبعد رحلة النزوح وما صاحبها من معاناة، كانوا يأملون في الحصول على الحد الأدنى من الاستقرار، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام خسائر جديدة زادت من قلقهم بشأن سلامتهم ومستقبل أسرهم.

وأضاف أحمد علي: "المؤلم إن الناس ديل نازحين، جاؤوا من مناطق القتال وهم أصلاً فقدوا الاستقرار وتركوا بيوتهم وممتلكاتهم، وكانوا محتاجين للأمان والمياه والحاجات الأساسية، لكن لقوا أنفسهم في مواجهة مأساة جديدة. المشهد كان قاسياً، ومعاناة الناس ما انتهت بالنزوح، بل زادت بعد الحادثة، وبقينا نفكر في سلامتنا وفي مصير المصابين والأسر الموجودة معانا".

وبعد مرور لحظات على الهجوم، بقي الخوف من تكراره حاضراً بين الناجين، بحسب محمد علي، الذي أشار إلى أن المصابين والأسر المتضررة يحتاجون إلى تدخل عاجل لتوفير العلاج والمياه والاحتياجات الأساسية، في ظل صعوبة الأوضاع التي يعيشها النازحون بالمنطقة.

ولا تختلف مخاوف الناجين عن تلك التي يعيشها بقية سكان ود الماحي، حيث تركت الحادثة حالة من القلق وسط الأسر، خصوصاً مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة، وما يصاحبها من مخاوف على سلامة الأطفال والنساء.

وفي مقابلة مع «صوت الأمة»، قالت شاهدة العيان منى إبراهيم خليل، من منطقة ود الماحي، إن الهجوم على أبو شندي خلّف حالة من الرعب بين المواطنين، وإن الأهالي لا يزالون يخشون تكرار ما حدث، بعدما أصبحت الهجمات تهدد حياتهم واستقرارهم.

وأضافت: "ما حدث في أبو شندي لا يمكن وصفه بالكلمات، الناس عاشوا لحظات من الرعب، والخوف ما زال يسيطر على الأهالي، وكل أسرة تخشى أن تفقد عزيزاً أو أن يأتيها الدور في أي لحظة. نحن نريد أن نعيش بأمان، وأن يعود أطفالنا إلى حياتهم الطبيعية من دون خوف من الطائرات المسيرة أو أصوات الانفجارات. نناشد المجتمع الدولي ألا يترك المدنيين وحدهم في مواجهة هذا الموت، وأن يتحرك بصورة عاجلة لحمايتهم ووقف الهجمات، حتى لا تتحول بيوتنا ومناطقنا إلى أماكن للخوف والفقد بدلاً من أن تكون ملاذاً آمناً لنا".

وترى منى أن حماية المدنيين ووقف الهجمات يمثلان أولوية بالنسبة إلى الأهالي، إلى جانب توفير المساعدات للأسر المتضررة، حتى يتمكن السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية بعيداً عن الخوف الذي بات يرافقهم في تفاصيل يومهم.

ومع استمرار هذه المخاوف، تتزايد المطالب باتخاذ إجراءات لحماية السكان والمنشآت التي يعتمدون عليها، خاصة أن الهجمات لم تقتصر، بحسب الإفادات الواردة من المنطقة، على مواقع وجود المدنيين، بل طالت أيضاً مصادر المياه، وهو ما أثار تحذيرات قانونية من خطورة استمرار الاعتداءات على المرافق الحيوية.

تحذيرات قانونية

من جانبها، حذرت عضو مجموعة محامو الطوارئ، المحامية رحاب مبارك، من أن ما تشهده ولاية النيل الأزرق من هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة يثير الحزن والقلق، في ظل سقوط ضحايا من المدنيين واستمرار تعرض السكان لمخاطر الحرب.

وأوضحت أن مدينة الدمازين تعرضت في السابع من أكتوبر لهجمات بطائرات مسيّرة أدت إلى مقتل خمس نساء، قبل أن تتعرض منطقة أبو شندي بمحلية ود الماحي لهجوم آخر في التاسع من أكتوبر، مشيرة إلى ارتفاع حصيلة القتلى في الحادثة الأخيرة إلى 41 شخصاً، وفق آخر إحصائية أوردتها.

وربطت مبارك بين تكرار هذه الهجمات وتزايد المخاطر التي يواجهها المدنيون، لا سيما النازحين الذين غادروا مناطق القتال بحثاً عن الاستقرار، مؤكدة أن استهداف مصادر المياه ومساكن المواطنين والمستشفيات يزيد من معاناة السكان، ويعرض الخدمات التي يعتمدون عليها لمزيد من المخاطر.

وأضافت أن استمرار الحرب بين الجيش والدعم السريع لم يعد يقتصر أثره على مناطق المواجهات العسكرية، إذ أصبح المدنيون يواجهون بصورة مباشرة تداعيات الهجمات، وما تخلفه من قتلى ومصابين وأضرار تطال مقومات حياتهم الأساسية.

وقالت: "جفت أقلامنا من الكتابة عن مآسي هذه الحرب الملعونة، وما زلنا نطالب بإيقافها ووضع حد لمعاناة السودانيين. نطالب بصورة عاجلة وفورية بحظر السلاح الذي يستخدم ضد المواطنين، وبوجه خاص الطائرات المسيّرة التي باتت تحصد الأرواح بصورة يومية ومتكررة. لا بد من تحرك جاد يضع حماية المدنيين في مقدمة الأولويات، ويمنع استمرار استهدافهم ومصادر حياتهم".

وتأتي مطالب مبارك في ظل مخاوف من تكرار الهجمات على المناطق المأهولة بالسكان، وما قد يترتب عليها من موجات نزوح جديدة، خصوصاً أن الأسر التي انتقلت من مناطق القتال أصبحت تواجه صعوبة في العثور على أماكن توفر لها الأمان والخدمات الضرورية.

كما تثير الحوادث التي شهدتها الولاية تساؤلات قانونية بشأن حماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة، والحاجة إلى إجراء تحقيقات تحدد ملابسات الهجمات والمسؤولية عنها، خاصة عندما تطال مواقع يستخدمها النازحون أو مرافق ترتبط بتوفير المياه والخدمات الصحية.

وفي وقت تتصاعد فيه هذه التحذيرات، أثارت التقارير الواردة من أبو شندي ردود فعل أممية، بعد تداول معلومات عن سقوط عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، في الهجوم الذي استهدف موقعاً للنازحين بالقرب من الحدود الإثيوبية.

صدمة أممية ودعوات للمحاسبة

وأعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الجمعة، عن صدمته إزاء التقارير التي وصفها بالمروعة بشأن ضربة يُشتبه في تنفيذها بطائرة مسيّرة استهدفت موقعاً للنازحين في إقليم النيل الأزرق، بالقرب من الحدود مع إثيوبيا.

وبحسب البيان الأممي، تشير المعلومات الأولية الواردة من المنطقة إلى احتمال مقتل نحو 40 مدنياً، غالبيتهم من النساء والأطفال، في وقت تشهد فيه المنطقة هجمات متواصلة منذ أسابيع.

وأشار المكتب إلى أن تلك الهجمات تسببت في نزوح آلاف المدنيين، وعرّضت أعداداً كبيرة من السكان لمخاطر جسيمة، ما يزيد من صعوبة الأوضاع الإنسانية التي يعيشها المتضررون من الحرب.

وشددت (أوتشا) على أن الهجمات الموجهة ضد المدنيين محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، مجدداً دعوته إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.

ويأتي الموقف الأممي في وقت تتزايد فيه احتياجات النازحين إلى الحماية والمساعدات الإنسانية، خصوصاً في المناطق التي تعرضت للهجمات، حيث تواجه الأسر صعوبات في الحصول على الخدمات الأساسية، إلى جانب الحاجة إلى علاج المصابين وتوفير المياه والمأوى للمتضررين.

ورغم اختلاف الحصيلة الأولية التي أوردها المكتب الأممي عن الإحصائية اللاحقة التي أشارت إليها المحامية رحاب مبارك، فإن الإفادات تتفق على سقوط عشرات الضحايا في أبو شندي، بينما لا تزال المسؤولية عن الهجوم بحاجة إلى تحقيق موثوق يحدد الجهة المنفذة وملابسات الواقعة.

وبين مطالب الأهالي بالحماية، وتحذيرات القانونيين، والدعوات الأممية للمحاسبة، تبقى الأسر المتضررة في أبو شندي أمام احتياجات عاجلة تتعلق بالعلاج والمياه والمأوى، بينما يظل الخوف من تكرار الهجمات حاضراً في منطقة قصدها النازحون بحثاً عن الأمان، ولم يجدوا فيها حتى الآن الطمأنينة التي غادروا منازلهم من أجلها.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...