تقرير ــ سارة عطية
لم تنته رحلة الهروب بالنسبة لعشرات الشباب السودانيين بمجرد مغادرتهم بلادهم التي تمزقها الحرب، بل امتدت عبر الصحارى والبحار والجبال والحدود المغلقة، وصولًا إلى طريق البلقان، حيث يواجه بعضهم الجوع والبرد والعنف والإعادة القسرية، بينما دفع آخرون حياتهم أو أجزاءً من أجسادهم ثمنًا لمحاولة الوصول إلى مكان آمن.
هذه الصورة القاسية وقفت عليها الكاتبة والشاعرة والأكاديمية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، الدكتورة إشراقة مصطفى حامد، خلال جولة إنسانية مع منظمة SOS Balkanroute، أتاحت لها الاقتراب من أوضاع اللاجئين والمهاجرين، وبشكل خاص الشباب السودانيين العالقين على الطريق، والاستماع إلى قصصهم بعيدًا عن اختزالهم في أرقام وإحصاءات.
وقالت د. إشراقة، في مقابلة مع "صوت الأمة"، إن مشاركتها في الجولة جاءت امتدادًا لعملها الأكاديمي والمجتمعي والاستشاري في قضايا الهجرة وحقوق المهاجرين والمهاجرات، موضحة أن الرحلة منحتها فرصة لرؤية ما يحدث على الأرض، ليس فقط عند الحدود ونقاط العبور، وإنما ما يواجهه الإنسان من خوف وفقدان وانتظار وبحث مستمر عن مكان يعيش فيه بكرامة.
وأوضحت أن منظمة SOS Balkanroute تعمل في هذا المجال منذ عام 2019، بالتعاون مع منظمات إنسانية ومحلية، لتقديم الطعام والملابس والأحذية والمساعدات الصحية وغيرها من الاحتياجات الأساسية للاجئين والمهاجرين.
جيل أنهكه الهروب
قالت إن أول ما لفت انتباهها عند لقاء الشباب السودانيين كان حجم الإنهاك الذي خلفته الرحلة الطويلة، مشيرة إلى أنها رأت شبابًا فقد بعضهم الكثير من الوزن، وتدهورت صحتهم الجسدية والنفسية، فيما عاش آخرون شهورًا في العراء أو داخل مبانٍ مهجورة، يعتمدون على المساعدات الإنسانية وتضامن المهاجرين فيما بينهم.
لكن الأكثر إيلامًا لم يكن الفقر وحده، وإنما الإحساس العميق بالخذلان؛ خذلان وطن لم يعد قادرًا على احتضانهم، وعالم لا يراهم إلا باعتبارهم أرقامًا في ملفات الهجرة.
وترى إشراقة أن مأساة هؤلاء الشباب لا تبدأ من حرب أبريل 2023 وحدها، إذ إن مناطق واسعة من السودان، لا سيما دارفور، عاشت دوامات عنف ونزوح منذ سنوات طويلة. وقالت إنها التقت شبابًا ولدوا في معسكرات النزوح ولم يعرفوا استقرارًا حقيقيًا أو بيتًا آمنًا، بينما غادر آخرون بعد اندلاع الحرب الأخيرة وانهيار مقومات الحياة.
وأشارت إلى أن بعضهم لجأ أولًا إلى ليبيا أو تركيا، ثم عبر إلى اليونان ومنها إلى دول البلقان، أملًا في بلوغ إحدى دول الاتحاد الأوروبي، في رحلة قد تنتهي بالغرق أو التيه أو الموت جوعًا وعطشًا قبل الوصول.
على حدود القسوة
في البوسنة، زارت الدكتورة مراكز إيواء تضم لاجئين ومهاجرين من جنسيات مختلفة، من بينها السودانيون إلى جانب أفغان وباكستانيين وبنغلاديشيين وعرب.
وقالت إن بعض المراكز تقع بعيدًا عن المدن، ما يزيد من عزلة المقيمين فيها، بينما تسمح مراكز أخرى بقدر أكبر من الحركة. لكن معظم السودانيين الذين التقت بهم لا ينظرون إلى البوسنة باعتبارها وجهة نهائية، وإنما محطة مؤقتة قبل محاولة عبور الحدود من جديد.
وبحسب الدكتورة، فإن الحدود بين كرواتيا والبوسنة تمثل واحدة من أقسى مراحل الرحلة، إذ استمعت إلى شهادات عن الإعادة القسرية ومصادرة الهواتف والأموال والأمتعة، إضافة إلى الضرب والإهانة ونزع الأحذية وإجبار المهاجرين على العودة عبر الغابات والجبال دون ماء أو وسيلة اتصال.
وقالت إن بعض الشباب رووا تعرضهم للتهديد بالكلاب البوليسية، فيما حكى آخرون عن شرطية كرواتية أجبرتهم على وضع هواتفهم على الأرض، ثم أطلقت النار عليها وهي تصرخ في وجوههم بأنهم "ليسوا بشرًا".
وترى أن أخطر ما في هذه الانتهاكات ليس منعهم من العبور فقط، وإنما تجريدهم من إحساسهم بكرامتهم وإنسانيتهم، وتحويل معاناتهم إلى جزء من سياسة الردع على الحدود.
أطراف بُترت وأحلام دُفنت
من أكثر مشاهد الجولة قسوة، وفقًا لد. إشراقة، زيارتها ثلاثة شبان سودانيين بُترت أطرافهم بعد محاولات عبور مناطق جبلية شديدة البرودة.
وقالت إن اثنين منهم فقدا ساقيهما من أسفل الركبة بعد تعرضهما لدرجات حرارة منخفضة وسط الثلوج، حيث ضلا الطريق وظلا أيامًا يصارعان الموت قبل الوصول إليهما، بينما بُترت ساق الشاب الثالث.
وكان الثلاثة قد فروا من السودان بعد اندلاع الحرب، بحثًا عن الأمان، قبل أن تتحول رحلة النجاة إلى مأساة أخرى تركت آثارها على أجسادهم.
لكن قصص الموت لم تتوقف عند ذلك. فقد زارت د. إشراقة مقبرة تضم مهاجرين ولاجئين انتهت رحلاتهم قبل الوصول إلى وجهتهم.
وقالت إن متعاونين مع المنظمة أخبروها بقصة شاب سوداني عُثر عليه متوفى، وتم التعرف إلى هويته من البيانات التي كانت بحوزته، لكنه دُفن في قبر يحمل اسم "مجهول"، بينما ربما ظلت أسرته في السودان تنتظر مكالمة منه.
وأضافت أن المقبرة تضم 101 شخص من جنسيات مختلفة، بعضهم مجهولو الهوية، معتبرة أن المكان يمثل شاهدًا صامتًا على أحلام انتهت في الطريق.
في الطريق.. إنسان أيضًا
وفي مقابل مشاهد الموت والقسوة، لفتت إشراقة إلى نماذج للتضامن الإنساني، من بينها الشاب البوسني نهاد سليتش، الذي يتعاون مع SOS Balkanroute في دعم السودانيين ومتابعة احتياجاتهم والمساعدة في ملفات المفقودين.
ووصفت د. إشراقة نهاد بأنه "قصة كتاب عنوانه الإنسان"، لأنه يتعامل مع المهاجرين باعتبارهم أصحاب أسماء وحكايات وحياة، لا مجرد أرقام عالقة على الحدود.
وتقول إن المنظمة، بالتعاون مع منظمات محلية والصليب الأحمر، توفر الاحتياجات الأساسية والمساعدة الصحية، إلا أن ذلك لا ينهي حالة الانتظار التي يعيشها اللاجئون، بين محاولة عبور جديدة وأمل في الوصول إلى بلد يمكنهم فيه بدء حياة أخرى.
وفي ختام حديثها، قالت د. إشراقة إن رسالتها لا تقتصر على توعية الشباب السودانيين بحجم المخاطر التي تحيط بطريق البلقان، بل تتجه أيضًا إلى دعاة الحرب والحكومات التي تدفع الناس إلى الهروب، ثم تتعامل مع مآسيهم ضمن حساباتها السياسية، وإلى الاتحاد الأوروبي الذي ترى أنه لا يمكنه الاكتفاء بسياسات حماية الحدود دون معالجة جذور الأزمات التي تدفع الناس إلى الفرار.
وأضافت أن استمرار الحرب في السودان وانسداد الأفق أمام الشباب يعنيان استمرار النزيف الإنساني، مؤكدة أنها رأت أشخاصًا فقدوا صحتهم وأطرافهم وحياتهم.
وفي الوقت نفسه، شددت على أن الحديث عن مخاطر الطريق لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب يلوم اللاجئين على خيارات فرضتها عليهم الحروب، وإنما إلى توعية تنقل حقيقة ما يواجهونه، مع الإقرار بأن كثيرين منهم يجدون أنفسهم أمام خيارات شديدة القسوة بين البقاء في جحيم الحرب أو خوض طريق قد يحمل الأمان أو الموت.



التعليقات (0)
جاري التحميل...