ترجمة - نادرة المهدي
لم تكن الخرطوم محطة عابرة في حياة جون أباظة. المدينة التي وصل إليها في ستينيات القرن الماضي محاضرًا في الأدب الإنجليزي، أصبحت بعد سنوات قليلة وطنه الذي اختار البقاء فيه، حتى بعد أن غادرها معظم الأجانب الذين كانوا يعيشون فيها.
على امتداد 94 عامًا، تنقلت حياة أباظة بين عوالم مختلفة؛ وُلد في جنوب لندن، ونشأ في الإسكندرية، ودرس في كامبريدج، ثم أمضى قرابة أربعة عقود في السودان، أستاذًا للأدب الإنجليزي، ومدرسًا لأجيال من الطلاب الذين ظل كثير منهم على صلة به لسنوات طويلة.
وبالنسبة إلى زملائه وطلابه، كان جون أباظة رجلًا يتمتع بلباقة وأناقة من زمن آخر. كان يعتني بملابسه، ويملك معرفة واسعة بالأدب والفلسفة والموسيقى، فيما احتفظ طوال حياته بحكايات كثيرة عن المدن التي عاش فيها، يرويها بسخاء وكأنها لم تفقد بريقها رغم مرور السنين.
من كرويدون إلى الإسكندرية
وُلد أباظة في كرويدون، جنوب لندن، في 28 نوفمبر 1931. وكان والده، صلاح أباظة، مالك أراضٍ من أصول شركسية، يدرس آنذاك للحصول على رخصة طيار في مطار كرويدون، بينما كانت والدته مارجوري (نيّة تاورز) إنجليزية.
وسرعان ما عادت الأسرة إلى مصر، ونشأ جون في الإسكندرية، التي كانت آنذاك مدينة عالمية الطابع، تتحدث فيها الجاليات اليونانية والإيطالية والفرنسية والعربية والإنجليزية، وسط الفيلات ذات الطراز الآرت ديكو الممتدة على كورنيش البحر.
ووصلت الحرب العالمية الثانية إلى الإسكندرية في وقت مبكر من طفولة جون. وكان يتذكر أنه، وهو صبي صغير، كان يسمع أصوات مدافع معركة العلمين، التي كانت تبعد أكثر من 70 ميلًا.
وكان والده، الذي تولى قيادة مطار الدخيلة قبل أن تستولي عليه القوات الجوية التابعة للبحرية الملكية البريطانية عام 1941، يصطحب جون إلى سطح المنزل أثناء الغارات الجوية، ويطلق النار بشكل رمزي على الطائرات المعادية، مستخدمًا السلاح المناسب لكل منها من مجموعته الخاصة: بنادق «ليغر» ضد طائرات اللوفتفافه الألمانية، ومسدسات «بيريتا» ضد طائرات سلاح الجو الملكي الإيطالي.
إيتون الشرق الأوسط
في عام 1938، التحق جون بكلية فيكتوريا، المدرسة الناطقة بالإنجليزية الشهيرة التي كانت توصف أحيانًا بأنها «إيتون الشرق الأوسط»، وكان طلابها ينتمون إلى مختلف المجتمعات في شرق البحر المتوسط.
ومن بين زملائه في المدرسة ميشيل شلهوب، الذي عُرف لاحقًا باسم عمر الشريف، ومايكل عطية، الذي أصبح أحد أعظم علماء الرياضيات في القرن العشرين، وتولى رئاسة كلية ترينيتي في كامبريدج، وهي الكلية التي التحق بها جون نفسه بعد سنوات قليلة.
غادر جون المدرسة عام 1949، والتحق بكلية ترينيتي لدراسة اللغة الإنجليزية. وكان من بين المشرفين على دراسته الدكتور ثيودور ريدباث، الباحث في أعمال شكسبير وتلميذ الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين سابقًا، وقد تركت معاييره الأكاديمية الصارمة أثرًا دائمًا في أسلوب جون في التدريس.
وبعد حصوله على درجة الماجستير، عاد في منتصف خمسينيات القرن الماضي إلى كلية فيكتوريا مدرسًا للغة الإنجليزية والمسرح والكريكيت. وكان من بين طلابه الأمير الحسن بن طلال، الذي أصبح لاحقًا ولي عهد الأردن.
من الإسكندرية إلى الخرطوم
بعد أزمة السويس، جرى تأميم المدرسة وتغيير اسمها إلى «فيكتوري كوليدج»، وغادر معظم أعضاء هيئة التدريس البريطانيين، لكن جون بقي فيها لما يقرب من عقد آخر.
وخلف تلك الاضطرابات العامة كانت هناك مأساة شخصية. فقد صودرت ممتلكات عائلة أباظة، بوصفها من ملاك الأراضي الشراكسة، في عهد جمال عبد الناصر. وكان لفقدانها أثر مدمر على جون، ودفع والده إلى الانتحار عام 1967.
وفي العام نفسه، تولى جون وظيفة محاضر في الأدب الإنجليزي بجامعة الخرطوم، التي كانت تُعرف آنذاك على نطاق واسع باسم "أكسفورد أفريقيا".
وهناك التقى إيزوبيل سميث، وهي محاضرة زميلة له، وتزوجا عام 1969، وأنجبا طفلين، مالكولم وكاتريونا، وكلاهما على قيد الحياة.
انفصل جون وإيزوبيل عام 1977، وفي عام 1979 غادرت إيزوبيل وطفلاهما السودان إلى عُمان. أما جون، فاختار البقاء في الخرطوم، المدينة التي أصبح يعتبرها موطنه.
أستاذًا لأجيال من السودانيين
ترقى جون لاحقًا إلى منصب أستاذ، حيث درّس شكسبير وميلتون والشعراء الرومانسيين لأجيال متعاقبة من الطلاب السودانيين، ظل كثير منهم على تواصل معه لسنوات طويلة.
وفي عام 1992، مُنح وسام الإمبراطورية البريطانية (OBE) تقديرًا لخدماته للثقافة البريطانية في السودان. وفي عام 1996، حصل على وسام النيلين من الدرجة الأولى، وهو أحد أعلى الأوسمة في السودان، وكان غالبًا ما يُمنح للسفراء المغادرين.
ولسنوات عديدة، شغل منصب رئيس نادي السودان، الذي كان لعقود مركزًا اجتماعيًا للحياة البريطانية للمغتربين في الخرطوم. وهناك أدار فرقة المسرح للهواة، ولعب ببراعة دور السير روبرت تشيلترن في مسرحية "زوج مثالي".
حكاية القبو
وكان للنادي إحدى أشهر مغامراته بعد سنوات طويلة من إغلاقه وإغلاق أبوابه في تسعينيات القرن الماضي.
ففي السفارة البريطانية، وبعد تشديد حكومة عمر البشير القيود على الكحول، دار حديث حول ذلك الموضوع الكئيب، فقال جون إنه يعرف مخزونًا كبيرًا من المشروبات لا يزال موجودًا في قبو النادي المغلق منذ فترة طويلة.
وفي منتصف الليل، انطلقت سيارة لاند روفر تحمل عددًا من أفراد الأمن في السفارة، وجميعهم من القوات الخاصة سابقًا، وكان البروفيسور أباظة، الذي كان قد تجاوز الستين آنذاك، مرشدهم.
وبتوجيه منه، جرى فتح القبو، وإنقاذ أكبر كمية ممكنة من المخزون الذي ظل صالحًا للشرب. وعاد جون إلى منزله بطلًا غير متوقع.
القطط أيضًا جزء من الحكاية
ولم يكن منزله يخلو غالبًا من القطط. فقد كان شديد التعلق بها، وكانت أولى قططه، «سيرل»، التي سُمّيت بهذا الاسم بسبب مظهرها العابس، رفيقته لمدة 20 عامًا، ثم جاءت أجيال عديدة من نسلها.
وفي عام 1997، تزوج الدكتورة غلوريا غيلهام، التي أمضت سنوات طويلة في العمل مع إدارة التنمية الخارجية في أفريقيا.
وفي عام 2005، تقاعد الزوجان وانتقلا إلى إيستبورن. وبعد انتقال غلوريا إلى دار متخصصة لرعاية مرضى الخرف عام 2019، استقر جون في ووكينغ ليكون قريبًا من ابنته كاتريونا.
رجل من زمن آخر
ظل حتى نهاية حياته محتفظًا بسحر ولباقة ينتميان إلى عصر آخر. وكانت معرفته بالأدب الإنجليزي والفلسفة الغربية والموسيقى الكلاسيكية موسوعية، وكان من أشد المعجبين بالموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر.
وفي شبابه، كان من محبي الحياة الرغدة والاستمتاع بها، وظل في سنواته اللاحقة راويًا بارعًا وكريمًا، يروي قصصًا عن الإسكندرية وكامبريدج والخرطوم، دون أن تفقد تلك القصص بريقها رغم تكرار روايتها.
ربما لهذا ظلت المدن الثلاث حاضرة في حكايته؛ لندن التي وُلد فيها، والإسكندرية التي تشكل فيها وعيه الأول، والخرطوم التي اختارها في النهاية وطنًا، وقضى فيها قرابة أربعة عقود من عمره مدرسًا للأدب، وصديقًا لطلابها وأهلها، وراويًا لذكريات مدينة لم يغادرها في داخله حتى بعد أن غادرها جسدًا.



التعليقات (0)
جاري التحميل...