عبدالله برير
في أغنية "جاي تفتش الماضي"، يلتقي صوت كمال ترباس بكلمات التجاني حاج موسى في حكاية حب انتهت قبل عودة أحد طرفيها للبحث عنها. يتعامل النص مع العودة كخطوة جاءت متأخرة، بعدما انقضى زمن الانتظار وجفّ الدمع.
"جاي تفتش الماضي
خلاص الماضي ولى زمان
وجفت مقلتي الباكية
ونامت من سنين أحزان"
بهذه الكلمات يبدأ الشاعر حكايته. شخص يعود إلى الماضي، بينما صاحب الحكاية غادر تلك المرحلة. العين التي بكت طويلاً جفّت، والأحزان التي ظلت سنوات حاضرة هدأت. لذلك تبدو العودة في الأغنية أشبه بزيارة متأخرة إلى مكان تغيّر كثيراً.
ويذكّر النص الحبيب بتفاصيل العلاقة:
"أرجع بالزمن مرة
واتذكر حكايتي معاك
تلاقي القصة جد مرة
وهل راعيت شعور مضناك؟".
السؤال الأخير يمثل مفتاح الأغنية. القضية تتصل بانتهاء الحب، وبالطريقة التي انتهت بها العلاقة، وبالأثر الذي تركته في شخص شعر بأن مشاعره ظلت خارج حسابات الطرف الآخر.
ويستعيد الشاعر مرحلة كان فيها التعلق أقوى من الألم:
"وكل ما تزيدني في هجرك
أقول ليك زيدني ما أحلاك
لا نفع التوسل ليك
ولا حرماني يوم هماك".
هنا تظهر صورة العاشق الذي كان يقبل الهجر ويبحث عن أي سبب للبقاء. ويستعيد الشاعر تلك التفاصيل من موقع شخص تجاوز المرحلة، وأصبح قادراً على النظر إليها بوعي مختلف.
وتأخذ المسامحة مساحة مهمة في الأغنية. حين يعود الحبيب طالباً الصفح، يختار الشاعر الغفران، ويضع له معنى يتجاوز استعادة العلاقة:
"جيت تترجى بالدمعات
أسامحك أنسى أغفر ليك
...
مسامحك ما عشان عينيك
عشان تتعلم الغفران
وتصفح لو زمن جار بيك"
المسامحة هنا قرار شخصي يحرر القلب من آثار الماضي. يأتي الغفران من موقع القوة والرضا، بينما تبقى تجربة العودة خارج حسابات الشاعر.
ويقول:
"وعزة نفسي مابية علي
أسلم قلبي ليك تاني
...
ولو مكتوب علي أحب
بحب إنسان يكون تاني"
بهذه الكلمات تنتهي الحكاية بوضوح. يمكن للحب أن يأتي مرة أخرى، وقد يكون صاحبه شخصاً مختلفاً. يستطيع الإنسان أن يغفر لمن أخطأ في حقه، ويحافظ في الوقت نفسه على حقه في بداية جديدة.
أما كمال ترباس، فقد وجد في النص مساحة مناسبة لصوته وأسلوبه. جاء أداؤه محملاً بالحزن، وحافظ على حضور الكبرياء والتماسك، فبدت الأغنية قريبة من تجارب الناس ومشاعرهم اليومية.



التعليقات (0)
جاري التحميل...