صوت الأمة ــ عبد الله
ارتبطت أغنيات الحقيبة السودانية بكثير من الحكايات والمواقف التي شكّلت مصدر إلهام للشعراء، ومن بين تلك القصص حكاية قصيدة «بدور القلعة» للشاعر صالح عبد السيد أبو صلاح، أحد أبناء حي المسالمة بأم درمان، الذي عُرف بارتباط قصائده بالمناسبات والمشاهد التي عاشها وشهدها.
وتدور حكاية القصيدة في حي القلعة بأم درمان، وهو من الأحياء العريقة التي ارتبط اسمها في الذاكرة الشعبية بجمال نسائها، كما احتفظت أحياء أم درمان القديمة، مثل المسالمة والموردة وأبو روف وبيت المال والاستبالية، بمكانة خاصة في وجدان المدينة، وخلّد الشعراء والمغنون أسماءها في أعمال لا تزال حاضرة حتى اليوم.
في تلك الفترة، كانت حفلات الزواج تقام بطقوس مختلفة عن زماننا؛ إذ كانت الفتيات يجلسن على السباتة (البساط) في مواجهة الاتجاه الذي يوجد فيه الفنان والضيوف. وكانت المناسبات الاجتماعية تمثل فرصة للشعراء لمراقبة تفاصيل الحفل، واستلهام قصائدهم من المشاهد التي تقع أمامهم، ولا سيما جمال الحسان وحضورهن.
وفي إحدى حفلات الزواج التي أُقيمت بحي القلعة، كان الفنان المعروف كرومة يحيي الحفل، وكان الشاعر أبو صلاح من بين الحاضرين. وكعادة الشعراء في مثل هذه المناسبات، اختار أبو صلاح مكاناً بعيداً يتيح له متابعة تفاصيل الحفل ومشاهدة الحضور، بحثاً عن صورة أو لحظة يمكن أن تتحول إلى قصيدة.
وخلال الحفل، أشار العريس إلى إحدى الحسناوات، وأخبرها بأن الشاعر أبو صلاح موجود بين الحاضرين، وربما تكون محظوظة إذا كتب فيها قصيدة يصف فيها جمالها. لكن يبدو أن الفتاة لم تستحسن هيئة الشاعر، وانتقدت، على وجه الخصوص، شكل عينيه.
وصلت ملاحظتها إلى أبو صلاح، فبدلاً من أن يرد عليها بالإساءة، حوّل الموقف إلى مادة شعرية، وخاطبها بقصيدة امتزج فيها الغزل بالرد الذكي، مستهلاً إياها بهذه الأبيات:
العيون النوركن بجهرا
غير جمالكن مين السهرا
يا بدور القلعه وجوهرا
ومن وصف عينيه، انتقل أبو صلاح إلى وصف عيني الحسناء ونظراتها، مصوراً أثرها في قلبه وكأنها طعنات سيوف، ليواصل قصيدته قائلاً:
السيوف ألحاظك تشهرا
للفؤاد المن بدري انهرا
اخفى ريدتك مرة واجهرا
نار غرامك ربّك يقهرا
يا بدور القلعة وجوهرا
وتواصلت القصيدة في رسم تفاصيل جمال الفتاة، في مفارقة لافتة؛ فقد قابل أبو صلاح ما اعتبره انتقاصاً من مظهره بأجمل عبارات الغزل، محولاً الموقف العابر في تلك الليلة إلى نص شعري بقي متداولاً ضمن ذاكرة أغنيات الحقيبة.
وفي وصفه لمظهرها، يقول:
الصدير اعطافك فتّرا
النهيد باع فينا واشترى
الشعر اقدامك ستّرا
رقيصيبو قلوبنا البعترا
يا بدور القلعة وجوهرا
ثم يواصل رسم الصورة الجمالية قائلاً:
عالي صدرك لخصرك برا
فيه جوز رمان جلى البرا
الخطيبة وردفك منبرا
يا بدور القلعة وجوهرا
وهكذا تحولت مناسبة اجتماعية عابرة في أحد أحياء أم درمان إلى لحظة إبداع شعري، وصارت «بدور القلعة» واحدة من القصائد التي ارتبطت بقصة ومكان وذاكرة، لتظل شاهدة على الطريقة التي كان بها شعراء الحقيبة يحولون تفاصيل الحياة اليومية ومواقف المناسبات إلى نصوص خالدة في الوجدان السوداني.



التعليقات (0)
جاري التحميل...