صوت الأمة ــ سارة عطية

أكثر من 2500 طالب وطالبة بولاية الجزيرة يجدون أنفسهم أمام أزمة قد تحرمهم من الجلوس لامتحان الشهادة السودانية للعام 2027، رغم وصولهم إلى الصف الثالث الثانوي وانتظامهم في الدراسة، بسبب تاريخ شهادة المرحلة المتوسطة التي حصلوا عليها في العام 2025 خلال فترة النزوح.

وتعود القضية إلى طلاب دفعتهم الحرب إلى مغادرة ولاية الجزيرة والانتقال إلى ولايات أكثر أمناً، حيث واصلوا تعليمهم وأدوا امتحانات المرحلة المتوسطة هناك، قبل أن يعودوا إلى ولايتهم ويلتحقوا بمدارسها بصورة رسمية، ويواصلوا مسارهم الدراسي حتى الصف الثالث الثانوي.

غير أن الضوابط المنظمة للجلوس لامتحان الشهادة السودانية، والتي تشترط مرور ثلاث سنوات على الحصول على شهادة المرحلة المتوسطة، وضعت هؤلاء الطلاب أمام احتمال عدم استيفاء شرط الجلوس لامتحانات 2027، باعتبار أن شهاداتهم مؤرخة بالعام 2025.

وتزداد القضية تعقيداً في ظل وجود معالجات استثنائية سابقة لطلاب بولاية الجزيرة تأجلت امتحاناتهم بسبب الحرب، وأتاحت احتساب شهاداتهم ضمن العام 2024، بينما ظلت شهادات الطلاب الذين أدوا امتحاناتهم في الولايات التي نزحوا إليها مؤرخة في العام 2025، رغم أن المجموعتين واصلتا مسارهما التعليمي في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب.

وبذلك يجد الطلاب أنفسهم أمام سؤال مصيري: هل يتحول تاريخ الشهادة إلى حاجز أمام طالب أكمل سنواته الدراسية ووصل بالفعل إلى الصف الثالث الثانوي؟ وهل يصبح النزوح القسري، الذي لم يكن للطالب خيار فيه، سبباً جديداً لتعطيل مستقبله الدراسي؟

بين صرامة اللوائح وعدالة الظروف

وفي حديثه مع "صوت الأمة"، قال الخبير التربوي البروفيسور فتحي الصادق عبد العليم إن الضوابط المنظمة للامتحانات وُضعت لضبط العملية التعليمية وحماية معاييرها، ومن حق وزارة التربية والتعليم والإدارة العامة للامتحانات الالتزام بها وتطبيقها على الطلاب، باعتبار أن أي معالجة يجب ألا تؤدي إلى اختلال المعايير أو تفاوتها.

لكنه أشار إلى أن الحرب أفرزت أوضاعاً تعليمية استثنائية لم يكن للطلاب أي دور في صناعتها، ولذلك فإن التعامل مع مثل هذه الحالات لا ينبغي أن يتوقف عند التطبيق الحرفي للنصوص واللوائح، وإنما يجب أن يراعي الظروف التي أحاطت بمسيرتهم التعليمية.

وقال: "الطالب الذي نزح قسراً، وأدى امتحان المرحلة المتوسطة في العام 2025، ثم عاد والتحق رسمياً بمدارس ولايته وواصل دراسته حتى الصف الثالث الثانوي، لا ينبغي أن يتحمل وحده تبعات ظرف استثنائي فرضته الحرب".

وأكد عبد العليم أن المطلوب ليس إلغاء اللوائح أو تجاوزها، وإنما الوصول إلى معالجة قانونية وتربوية استثنائية تحفظ للوزارة حقها في تنظيم الامتحانات، وفي الوقت نفسه تضمن للطلاب فرصة عادلة للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية.

وأضاف أن معالجة القضية في وقت مبكر ستكون أفضل من ترك الطلاب حتى اقتراب موعد الامتحانات ثم مفاجأتهم بعدم الأهلية، مشدداً على أن جوهر القضية يتمثل في إيجاد توازن بين صرامة النظام الامتحاني ومراعاة الظروف الإنسانية والتعليمية التي فرضتها الحرب.

وأضاف: "لا ينبغي أن تتحول اللوائح التي وُضعت لحماية العملية التعليمية إلى سبب في إهدار عام دراسي كامل على طلاب دفعتهم الحرب إلى مسارات تعليمية لم يختاروها".

أسر تخشى ضياع عام من مستقبل أبنائها

وعلى الجانب الآخر، قال والد إحدى الطالبات، فضّل حجب هويته، لـ"صوت الأمة" إن الحديث عن احتمال حرمان ابنته من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية المقبلة مثّل صدمة كبيرة للأسرة، خاصة أن الطالبة واصلت تعليمها وتمسكت بحقها في الدراسة رغم الظروف القاسية التي مرت بها خلال سنوات الحرب والنزوح.

وقال: "ابنتي لم تختر الحرب، ولم تختر النزوح أو تعطل الدراسة، ولم تكن طرفاً في أي ظرف من الظروف التي أثرت على تعليمها. فكيف يُطلب منها اليوم أن تتحمل وحدها نتائج واقع لم يكن لها يد فيه؟".

وأوضح أن الأسرة لا تطلب تجاوز القوانين أو منح ابنتها أفضلية على بقية الطلاب، لكنها تخشى أن يؤدي التطبيق الجامد للوائح إلى إغلاق باب المستقبل أمام طالبة واصلت دراستها حتى الصف الثالث الثانوي.

وتابع بالقول: "من حق الوزارة أن تضع الضوابط، لكن من حق الطلاب أيضاً أن يجدوا معالجة استثنائية عندما تكون الظروف نفسها استثنائية. حرمان طالبة من امتحان الشهادة ليس قراراً عابراً؛ فقد يعني تأخير عام كامل من عمرها الدراسي، وربما يغير مسار مستقبلها".

وأردف: "نحن كأسر لا نملك إلا أن نرفع صوتنا ونطالب بحل عادل. لا نريد وعوداً أو تعاطفاً إعلامياً فقط، بل نريد قراراً واضحاً يحفظ حق أبنائنا والطلاب الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لظروف خارجة عن إرادتهم".

وختم حديثه قائلاً: "نحن نقدر مسؤولية الجهات التعليمية، لكننا نناشدها ألا تنظر إلى أرقام وأوراق فقط، بل إلى مستقبل طلاب. وراء كل اسم في كشوفات الامتحانات أسرة، ووراء كل طالب حلم وسنوات من التعب. لا تجعلوا الحرب تحرم أبناءنا من التعليم مرتين؛ مرة حين عطلت مدارسهم، ومرة حين تُغلق أمامهم أبواب الامتحان".

وفي السياق ذاته، قالت المعلمة بالمرحلة الثانوية منى حامد محمد، في إفادتها لـ"صوت الأمة"، إن القضية تستدعي الاعتراف أولاً بحجم الضرر الذي تعرض له الطلاب وأسرهم، معتبرة أن تحميل الطالب وحده نتائج الظروف التي فرضتها الحرب لا يحقق العدالة.

وشددت على أنه "لا يجوز أن يتحول الطالب، الذي دفع ثمن الحرب والظروف الاستثنائية من عمره وتعليمه واستقراره، إلى متهم أو أن يُحمَّل وحده فاتورة واقع لم يصنعه. هؤلاء الطلاب وأسرهم عاشوا ظروفاً قاسية، ومن الظلم أن نطالبهم اليوم بالتعامل معها وكأنها لم تحدث".

وأكدت أن أي معالجة جادة يجب أن تنطلق من الظروف الفعلية التي مر بها الطلاب، لا من تجاهلها، وقالت: "اللوائح وُضعت لخدمة الإنسان وحماية حقه في التعليم، وليست لتحويل الظروف القاهرة إلى عقوبة إضافية على الطلاب".

وأضافت: "التعاطف مع الطلاب لا يعني الانحياز ضد أي جهة، وإنما يعني البحث عن العدل والإنصاف. الطالب لا ينبغي أن يدفع ثمن الحرب مرتين؛ مرة حين حُرم من استقراره وتعليمه، ومرة حين يُحاسب على نتائج ظروف لم يكن مسؤولاً عنها".

انتظار قرار يحسم مصير الطلاب

ومع اقتراب الطلاب من استكمال عامهم الدراسي في الصف الثالث الثانوي، تزداد مطالب الأسر والمعلمين بحسم القضية مبكراً، تفادياً لدخول الطلاب في عام دراسي كامل وهم لا يعلمون بصورة نهائية ما إذا كانوا مؤهلين للجلوس لامتحان الشهادة السودانية 2027.

وتواصلت "صوت الأمة" مع إعلام وزارة التربية والتعليم الاتحادية للحصول على إفادة رسمية بشأن قضية هؤلاء الطلاب، والاستفسار عن موقف الوزارة من مطالب السماح لهم بالجلوس لامتحانات الشهادة السودانية للعام 2027، وما إذا كانت هناك معالجة مقترحة لهذه الحالات الاستثنائية، إلا أن الوزارة لم ترد على استفسارات الصحيفة حتى لحظة نشر هذا التقرير.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...