هناك فرصة ضئيلة لوقف إطلاق النار.. ويجب اغتنامها
صوت الأمة
سلّطت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية الضوء على الحرب الدائرة في السودان، في أحدث تغطياتها للصراع الذي دخل عامه الرابع، تحت عنوان «كيف ننهي الصراع الوحشي والمنسي في السودان؟»، معتبرة أن هناك فرصة، وإن كانت ضئيلة، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وأنه يجب اغتنامها قبل أن تضيع.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه السودان دفع ثمن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مخلفة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع دمار واسع ونزوح جماعي ومجاعة ومقتل أعداد كبيرة من المدنيين.
وتبرز المجلة الخرطوم باعتبارها نموذجًا صارخًا لحجم الدمار الذي خلفته الحرب، مشيرة إلى أن العاصمة السودانية كانت قبل اندلاع القتال مدينة نابضة بالحياة يبلغ عدد سكانها نحو 7 ملايين نسمة، بينما تحولت اليوم إلى مدينة مدمرة، هجرها سكانها، وتعرضت أجزاء واسعة منها للخراب.
وتصف «الإيكونوميست» مشهد الخرطوم بأنه يعكس حجم الكارثة التي يعيشها السودان، حيث لم يتبقَ من العديد من المباني الحكومية سوى هياكلها، وتحولت المنازل الفاخرة والفنادق إلى أنقاض، فيما بدت شوارع عديدة خالية بعد أن أنهكتها المعارك.
وتشير المجلة إلى أن حجم المأساة لا يتوقف عند الدمار العمراني، لافتة إلى وجود مقابر جماعية مؤقتة في مناطق مختلفة، في وقت لا يزال فيه القتل مستمرًا رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب.
واحدة من أسوأ حروب إفريقيا
وترى «الإيكونوميست» أن الحرب السودانية أصبحت واحدة من أسوأ الصراعات التي شهدتها إفريقيا خلال القرن الحالي، بعدما دمرت مساحات واسعة من ثالث أكبر دولة في القارة، وأجبرت نحو 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم.
كما تشير إلى أن مئات الآلاف ربما لقوا حتفهم نتيجة القتال والمجاعة وموجات العنف، معتبرة أن الصراع السوداني يمكن مقارنته من حيث حجم المأساة بالحرب التي شهدتها الكونغو في بداية الألفية، والتي أودت بحياة ملايين الأشخاص.
لكن المجلة ترى أن أهمية الحرب السودانية تتجاوز حدود الكارثة الإنسانية، بسبب تداعياتها الجيوسياسية والإقليمية.
وتحذر من أن الحرب جذبت إليها دولًا وقوى خارجية، وأسهمت في زيادة الاضطرابات في المنطقة، بينما تهدد تداعياتها بإشعال صراعات جديدة في دول مجاورة، بما في ذلك جنوب السودان وإثيوبيا.
وتنتقد المجلة ما تصفه بـاللامبالاة الدولية تجاه معاناة السودانيين، مشيرة إلى أن بعض الأطراف الخارجية تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار الحرب، بينما ينشغل آخرون بأزمات وصراعات دولية أخرى.
وتلفت إلى أن أوروبا تركز بصورة كبيرة على الحرب في أوكرانيا، في حين انشغلت الإدارة الأمريكية بملفات أخرى، رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد تعهد بإنهاء الحرب في السودان.
وفي ظل هذا التجاهل، بدأ بعض السودانيين يتحدثون عن احتمال تحول الصراع إلى ما يشبه «مسار الصومال»، أي حرب طويلة تمتد لعقود وتؤدي إلى تفكك الدولة واستمرار العنف دون نهاية واضحة.
وتقول «الإيكونوميست» إن الحرب تبدو في ظاهرها صراعًا بين طرفين رئيسيين، هما القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب مجموعات مسلحة أخرى متحالفة مع كل طرف.
لكنها ترى أن الصراع تحول أيضًا إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية تتنافس على النفوذ والموارد والمصالح الاستراتيجية في السودان والمنطقة.
وترى المجلة أن استمرار الحرب كان حتى وقت قريب يخدم مصالح العديد من الأطراف، سواء داخل السودان أو خارجه، ما جعل فرص التوصل إلى تسوية سياسية محدودة.
البحر الأحمر يعيد السودان إلى دائرة الاهتمام
لكن «الإيكونوميست» ترى أن تطورات إقليمية جديدة ربما بدأت تغير الحسابات.
وتشير إلى أن تصاعد التوتر في المنطقة والهجمات التي شنتها جماعة الحوثيين في اليمن على سفن مرتبطة بالسعودية أدى إلى تراجع حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، الأمر الذي أعاد أهمية الساحل السوداني والبحر الأحمر إلى الحسابات الإقليمية.
وبحسب المجلة، فإن أهمية الساحل السوداني بالنسبة إلى السعودية قد تجعل استمرار الحرب أكثر تكلفة ومخاطرة بالنسبة إلى الأطراف الداعمة لها، وقد تدفع نحو البحث عن تسوية أوسع تشمل الحرب السودانية.
وترى أن هذا التطور يمكن أن يفتح الباب أمام إدراج وقف إطلاق النار في السودان ضمن تسوية إقليمية أوسع في الشرق الأوسط.
العامل الثاني الذي ترى المجلة أنه قد يخلق فرصة للسلام هو التغير في موازين القوى العسكرية.
وتشير إلى أن القوات المسلحة السودانية حققت خلال الأسابيع الأخيرة اختراقات عسكرية مهمة، ووصفتها بأنها أبرز تقدم للجيش منذ عودته إلى الخرطوم.
ومن بين هذه التطورات استعادة السيطرة على طريق رئيسي يربط الخرطوم بمدينة الأبيض، وهي مدينة استراتيجية في إقليم كردفان، إلى جانب استعادة السيطرة على الكرمك على الحدود مع إثيوبيا.
وترى المجلة أن هذه التطورات قد تمنح الجيش ثقة أكبر في موقعه التفاوضي، بعدما ظل يؤكد أنه يريد الدخول في أي مفاوضات من موقع قوة.
لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تفكك أكبر داخل المعسكرات المسلحة، في ظل وجود عشرات الجماعات والمليشيات التي أصبحت لها مصالح مرتبطة باقتصاد الحرب.
فرصة ضئيلة لوقف إطلاق النار
ورغم كل هذه التطورات، تؤكد «الإيكونوميست» أن فرص نجاح وقف إطلاق النار لا تزال محدودة، لكنها ترى أن اللحظة الحالية تستحق محاولة دبلوماسية جادة.
وتشير إلى أن موسم الأمطار في السودان خلال الفترة المقبلة قد يؤدي إلى انخفاض نسبي في وتيرة العمليات العسكرية، ما قد يوفر فرصة لطرح هدنة إنسانية يمكن أن تصمد في ظل ثبات نسبي لخطوط القتال.
وتربط المجلة ذلك بالمقترح الذي طرحه المبعوث الأمريكي للشأن الإفريقي مسعد بولس بشأن هدنة إنسانية، معتبرة أن فرص نجاحها قد تكون أكبر خلال فترة الهدوء النسبي.
دعوة للولايات المتحدة وأوروبا
وفي ختام تحليلها، تدعو «الإيكونوميست» الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى استخدام نفوذها لدى حلفائها الإقليميين للضغط على طرفي الحرب من أجل الدخول في مفاوضات مباشرة.
وترى أن على السعودية ومصر وتركيا الضغط على القوات المسلحة السودانية للتخلي عن شرط نزع سلاح قوات الدعم السريع وتسريحها قبل بدء المفاوضات.
وفي المقابل، تدعو الإمارات إلى استخدام نفوذها على قوات الدعم السريع لدفعها إلى الالتزام بما أعلنته من استعداد لوقف إطلاق النار، حتى لو تطلب ذلك التخلي عن طموح السيطرة على السودان بأكمله.
وتحذر المجلة من أن استمرار الحرب على نمط الصومال قد يؤدي إلى مزيد من التفكك والانقسام وإطالة أمد المعاناة وعدم الاستقرار.
وتخلص «الإيكونوميست» إلى أن فرصة السلام قد تكون ضعيفة، لكنها ترى أن الوقت الحالي ربما يمثل آخر وأفضل فرصة لمنع السودان من الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد يصعب إنهاؤها.



التعليقات (0)
جاري التحميل...