حكايات ــ صوت الأمة
في الخرطوم، عام 2014، لم تكن ترنيم سعيد تبحث عن مشروع جديد بقدر ما كانت تحاول فهم مشكلة تبدو بسيطة: لماذا يصعب على السوداني أن يعرف السعر الحقيقي لسيارة يريد شراءها، أو عقار يبحث عنه، أو سلعة يحتاج إليها؟
كانت الأسواق تعتمد بدرجة كبيرة على الشائعات والوساطة الشفهية، وتتفاوت الأسعار من مكان إلى آخر، بينما ظل الوصول إلى المعلومات محدودًا. وفي بلد عاش سنوات طويلة تحت العقوبات والحصار المالي، كانت المسافة بين السودان والتحولات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي تبدو واسعة.
لكن تلك الملاحظة الصغيرة تحولت، بعد وقت قصير، إلى فكرة أكبر.
كانت ترنيم قد عاشت جزءًا كبيرًا من حياتها بعيدًا عن السودان. غادرته وهي في الرابعة عشرة من عمرها إلى كندا، حيث تلقت تعليمها، قبل أن تنتقل إلى العاصمة البريطانية لندن، وتتخرج في "كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية" (LSE)، إحدى المؤسسات الأكاديمية المعروفة في مجالات الاقتصاد والقانون.
ثم دخلت عالم المحاماة الدولية من بابه الواسع، بالعمل في شركة "ألين وأوفري" (Allen & Overy)، حيث عملت محامية في مجال الشركات والممتلكات، واكتسبت خبرة في التشريعات المالية وحوكمة الشركات والاستثمار الأجنبي.
كان يمكن لمسارها أن يستمر في ذلك العالم؛ مكاتب المحاماة الدولية، المعاملات الكبرى، والاستثمارات العابرة للحدود. لكن زيارة شخصية إلى الخرطوم في عام 2014 جعلتها تنظر إلى السودان من زاوية مختلفة.
رأت سوقًا يحتاج إلى شيء لم يكن متوافرًا بما يكفي: المعلومة.
ومن هنا بدأت الحكاية.

من سؤال عن السعر إلى "ألسوق"
في عام 2015، أطلقت ترنيم سعيد مشروع "ألسوق" (Alsoug.com)، الذي بدأ كمنصة بسيطة للوساطة ومقارنة أسعار السلع والخدمات.
لم تكن الفكرة في بدايتها تبدو كأنها مشروع سيغير شكل السوق السودانية. لكنها كانت تستجيب لحاجة يومية واضحة: أن يعرف المشتري ما هو معروض، وأن يجد البائع مساحة للوصول إلى الزبائن، وأن يصبح الوصول إلى معلومات السوق أقل اعتمادًا على الكلام المتداول والوساطة المباشرة.
ومع مرور الوقت، توسعت "ألسوق" لتشمل الإعلانات المبوبة، ثم المبيعات المباشرة عبر الإنترنت، إلى جانب حلول لوجستية لتوصيل الطلبات إلى المستخدمين.
وفي بلد كان لا يزال في بدايات التعامل مع التجارة عبر الإنترنت، أخذت المنصة في الاتساع، وربطت بين المشترين والبائعين في قطاعات متعددة.
لكن النجاح كشف مشكلة أخرى.
فحتى إذا عرفت ماذا تريد أن تشتري، ووجدت البائع، واتفق الطرفان على السعر، تبقى هناك مشكلة: كيف ستدفع؟
كان الاقتصاد السوداني يعتمد بدرجة كبيرة على النقد، بينما كانت شح السيولة والأزمات المصرفية المتكررة تجعل إتمام المعاملات أكثر تعقيدًا.
وهنا بدأت الحكاية الثانية.
عندما أصبحت التجارة بحاجة إلى المال الرقمي
أطلقت ترنيم سعيد "كاشي" (Cashi)، لتكون امتدادًا طبيعيًا للتجربة الأولى، لكن هذه المرة في مجال التكنولوجيا المالية.
أتاحت المنصة للمستخدمين والشركات إجراء المدفوعات الإلكترونية وتحويل الأموال وسداد الفواتير الحكومية والتجارية عبر الهواتف المحمولة وأجهزة نقاط البيع (POS)، كما أتاحت استخدام الرسائل النصية القصيرة (SMS) للوصول إلى فئات لا تمتلك أجهزة ذكية.
الفكرة لم تكن منفصلة عن "ألسوق". فالتجارة الرقمية تحتاج إلى وسيلة دفع رقمية، وحين بدأت المنصة الأولى في التعامل مع مشكلة الوصول إلى السوق، جاءت الثانية لمعالجة مشكلة الوصول إلى المال.
وهكذا أصبحت التجربتان وجهين لمشروع واحد: أن يصبح السوق السوداني أكثر اتصالًا بالمعلومة، وأسهل في الوصول، وأكثر قدرة على إتمام المعاملات رقميًا.

من الخرطوم إلى المستثمرين
كبرت التجربة، وجاءت معها محطات استثمارية لافتة.
في أكتوبر 2021، نجحت شركتا "ألسوق" و"كاشي" في إغلاق جولة تمويلية بقيمة 5 ملايين دولار أمريكي، بقيادة شركة "فوري" المصرية، وبمشاركة شركات من قطاع رأس المال المخاطر.
كانت الصفقة محطة مهمة في مسيرة الشركتين، ولفتت الانتباه إلى إمكانات قطاع التكنولوجيا في السودان في وقت كانت فيه البلاد تمر بتحولات سياسية واقتصادية عميقة.
لكن قصة ترنيم لم تكن قصة توسع تجاري في بيئة طبيعية.
فبناء مشروع رقمي واسع في السودان يعني العمل وسط انقطاعات الكهرباء والإنترنت، والتضخم، والتقلبات الاقتصادية والتنظيمية، فضلًا عن بيئة سياسية شديدة التعقيد.
وفي مثل هذه الظروف، لم يكن أمام الشركات سوى البحث عن حلول تتناسب مع الواقع بدل انتظار واقع مثالي.
اعتمدت التجربة على الشبكات المحلية، وتحليل البيانات، وحلول تقنية منخفضة التعقيد يمكنها العمل في بيئة اتصال محدودة، وهي مقاربة أصبحت جزءًا من طريقة التعامل مع سوق لا تشبه الأسواق الرقمية المستقرة.
الحرب تختبر الفكرة
ثم جاءت الحرب، وفي بيئة انهارت فيها أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية والخدمية، أصبحت التكنولوجيا نفسها أمام اختبار مختلف: كيف يمكن لمشروع رقمي أن يستمر عندما تتعطل الكهرباء، وتنقطع الاتصالات، وتتغير حركة الناس والأسواق؟
هنا تظهر إحدى أهم مفارقات تجربة ترنيم سعيد. فالفكرة التي بدأت أصلًا لمحاولة جعل السوق أكثر اتصالًا وتنظيمًا، وجدت نفسها تعمل في بلد تتعرض فيه البنية التي تقوم عليها الأسواق نفسها لضغوط هائلة.
وبدل أن تكون التكنولوجيا مجرد وسيلة للراحة أو السرعة، أصبحت الحاجة إليها مرتبطة بأسئلة أكبر حول الوصول إلى الخدمات والمال والمعلومات.
وفي مارس 2026، أعلنت مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، العضو في مجموعة البنك الدولي، عن شراكة مع "كاشي" لتوسيع بنية الدفع الرقمي في منطقة وسط أفريقيا وتشاد، مع التركيز على أنظمة دفع قابلة للتشغيل البيني ومصممة للبيئات ذات الاتصال المحدود بالإنترنت.
كانت تلك محطة جديدة في رحلة بدأت من سؤال بسيط في الخرطوم حول أسعار السلع، وانتهت إلى محاولة بناء حلول مالية يمكنها العمل في بيئات أكثر تعقيدًا من السوق التي انطلقت منها الفكرة.
المصادر: مقابلات وتقارير منشورة في TechCabal وRealistic Optimist، إلى جانب مصادر مفتوحة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...