صوت الأمة: تقرير

أعاد الحريق الذي اندلع في محطة توليد كهرباء سد مروي، وأدى إلى خروجها من الشبكة القومية، أزمة الكهرباء في السودان إلى صدارة المشهد مجددًا، بعد أشهر من الانقطاعات والأعطال التي ظلت تضرب منظومة الكهرباء في عدد من الولايات. ولم يكن حريق مروي حادثًا معزولًا، إذ سبقته وتلته أعطال في خطوط النقل ومحطات الكهرباء، كان آخرها الحريق الذي اندلع في المحطة الحرارية القديمة بمدينة بورتسودان، ما وسّع دائرة التساؤلات حول أسباب تكرار هذه الحوادث في واحد من أكثر القطاعات الحيوية في البلاد.

وتؤكد وزارة الطاقة أن ما حدث يعود إلى أعطال فنية وظروف تشغيلية معقدة، مشيرة إلى أن فرقها الهندسية تواصل العمل لإعادة الإمداد الكهربائي تدريجيًا. غير أن تكرار الأعطال خلال الفترة الأخيرة، وتزامنها مع صعوبات التمويل وتأخر أعمال الصيانة، فتح الباب أمام نقاش واسع في الأوساط الفنية والسياسية حول الأسباب الحقيقية وراء تفاقم أزمة الكهرباء، ومدى قدرة القطاع على تجاوزها.

أزمة تتجاوز الحريق

يمثل سد مروي العمود الفقري لمنظومة التوليد المائي في السودان، ولذلك فإن أي عطل يصيبه ينعكس مباشرة على استقرار الشبكة القومية. وعقب الحريق الذي أصاب المغذيات الرئيسية بالمحطة، خرجت أجزاء واسعة من الشبكة عن الخدمة، ما تسبب في انقطاع الكهرباء عن ولايات الخرطوم، ونهر النيل، والشمالية، والبحر الأحمر.

 

وأعلنت وزارة الطاقة لاحقًا أنها تمكنت من إعادة التغذية تدريجيًا إلى عدد من محطات المياه والمستشفيات والمراكز الصحية والأحياء السكنية، عبر الاستفادة من التوليد المتاح وإعادة توزيع الأحمال، مؤكدة أن فرق المهندسين والفنيين تواصل العمل على مدار الساعة، فيما يجري استيراد قطع الغيار الخاصة بمحطة مروي من الخارج.

لكن حريق مروي لم يكن الوحيد، إذ اندلع أيضًا حريق في المحطة الحرارية القديمة بمدينة بورتسودان، كما شهدت الأشهر الماضية أعطالًا متكررة في خطوط النقل والمحولات، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل حول ما إذا كانت هذه الحوادث تعكس فقط تقادم البنية التحتية، أم أنها نتيجة تراكم مشكلات أعمق داخل القطاع.

ويقول مهندس يعمل بقطاع الكهرباء، فضل حجب هويته، إن ما يحدث داخل المنظومة لم يعد مجرد سلسلة أعطال يمكن تفسيرها بقدم الشبكة أو نقص الصيانة فقط.

وأضاف، في حديثه لـ«صوت الأمة»: "الكهرباء أصبحت قضية أمن قومي، لأنها ترتبط بالمياه والمستشفيات والاتصالات والصناعة. لذلك فإن تكرار خروج محطات رئيسية عن الخدمة يستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة."

وأكد أنه لا يوجه اتهامًا إلى جهة بعينها، لكنه يرى أنه من السابق لأوانه استبعاد فرضية وجود أعمال تخريب أو تدخلات بشرية قبل انتهاء التحقيقات الفنية، مطالبًا بنشر نتائجها للرأي العام حتى لا تظل الساحة مفتوحة أمام التأويلات.

التمويل... الحلقة المفقودة

إلى جانب الأعطال الفنية، أعادت الأزمة ملف تمويل قطاع الكهرباء إلى الواجهة. فقد نقلت صحيفة «السوداني» عن مصدر مسؤول أن حجم الأضرار في محطة سد مروي استدعى تدخلًا مباشرًا من مجلس السيادة لتوفير التمويل اللازم واستجلاب الإسبيرات من الخارج، بعد تعذر توفيرها محليًا، فيما أشارت تقارير إلى تدخل رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، للإسراع بإجراءات توفير قطع الغيار، مع توقعات بإعادة المحطة إلى الخدمة خلال أسبوع إلى عشرة أيام.

ويرى مختصون أن هذه التطورات تكشف أن أزمة الكهرباء لم تعد مرتبطة بالأعطال الفنية وحدها، بل تمتد إلى ضعف التمويل، وتأثر سلاسل الإمداد منذ اندلاع الحرب، وصعوبة استيراد المعدات وقطع الغيار، وهو ما أدى إلى تأجيل كثير من أعمال الصيانة الدورية، وجعل الشبكة أكثر هشاشة أمام ارتفاع الأحمال خلال فصل الصيف.

في المقابل، يؤكد المهندس أحمد الطيب، أحد العاملين بقطاع الكهرباء، أن الأعطال الأخيرة لا تحتاج إلى تفسيرات سياسية، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأحمال، ودرجات الحرارة، وتقادم بعض المعدات، وصعوبة توفير قطع الغيار، كلها أسباب فنية معروفة يمكن أن تؤدي إلى حرائق أو خروج بعض المحطات عن الخدمة.

وأضاف أن تحديد السبب المباشر لأي حادث يجب أن يستند إلى نتائج الفحص الفني، وليس إلى التكهنات أو الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.

من المستفيد؟

وفي خضم الجدل حول أسباب تكرار الأعطال، برز سؤال آخر يتعلق بالجهات التي استفادت اقتصاديًا من تراجع استقرار الإمداد الكهربائي، بعد أن شهدت سوق الطاقة البديلة نموًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين.

ويقول مستورد لأنظمة الطاقة الشمسية، عبدالرحمن علي، لـ«صوت الأمة»، إن الطلب على الألواح الشمسية والبطاريات وأجهزة الإنفرتر ارتفع بصورة غير مسبوقة، مع اتجاه آلاف الأسر والمؤسسات إلى البحث عن بدائل للكهرباء، في ظل الانقطاعات المتكررة وعدم استقرار الشبكة القومية.

وأضاف أن الإقبال على الطاقة الشمسية استمر رغم الارتفاع الكبير في أسعار المعدات، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشركات والمنازل أصبحت تعتمد عليها بصورة شبه كاملة، بينما ارتفع الطلب كذلك على المولدات الكهربائية، وأصبح توفر مصدر بديل للكهرباء عاملًا مؤثرًا في قيمة العقارات، حيث زادت إيجارات المنازل والشقق المزودة بأنظمة طاقة شمسية أو مولدات، مقارنة بالعقارات التي تعتمد كليًا على الشبكة القومية.

لكنه رفض الربط بين هذا الانتعاش وبين وجود مصالح تقف وراء استمرار أزمة الكهرباء، مؤكدًا أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لانهيار الخدمة، وليس سببًا لها.

وقال: "لا توجد أي مصلحة لنا في استمرار الأعطال، بل على العكس، استقرار الكهرباء ينعكس إيجابًا على الاقتصاد كله. والحديث عن وجود مستفيدين من الأزمة لا يستند إلى أي وقائع أو أدلة."

 

وفي المقابل، يرى المهندس الذي تحدث إلى «صوت الأمة» شريطة عدم نشر اسمه، أن تكرار الحرائق والأعطال في مواقع استراتيجية يفرض على السلطات إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة، معتبرًا أن استمرار الصمت الرسمي بعد كل حادثة يفتح الباب أمام التأويلات والتساؤلات.

وفي موازاة ذلك، أثارت الأعطال المتكررة نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية. فقد تناولت تقارير صحفية ومقالات رأي الأزمة من زوايا مختلفة، وطرحت تساؤلات بشأن ما إذا كانت الاختلالات التي يشهدها قطاع الكهرباء تعود فقط إلى نقص التمويل وتقادم البنية التحتية، أم أنها تعكس أيضًا مشكلات إدارية داخل المؤسسات المشرفة على القطاع.

كما دعا عدد من الكُتّاب إلى إعادة هيكلة قطاع الكهرباء ومحاسبة المسؤولين عن تكرار الأعطال، بينما ذهبت بعض التحليلات إلى الحديث عن احتمال تأثر الملف بالتجاذبات داخل مراكز اتخاذ القرار. غير أن هذه الطروحات لا تزال في إطار التحليلات والتساؤلات الإعلامية، ولم تصدر حتى الآن أي نتائج تحقيق رسمية تثبت وجود أعمال تخريب أو صراعات سياسية تقف وراء الأعطال المتكررة.

وبينما تواصل وزارة الطاقة العمل لإعادة محطة سد مروي إلى الخدمة بصورة كاملة، يبقى السؤال مطروحًا: هل تكفي معالجة الأعطال الحالية لإنهاء أزمة الكهرباء، أم أن القطاع يحتاج إلى إصلاح شامل يبدأ بإعادة هيكلة الإدارة، وتوفير التمويل المستدام، وتحديث البنية التحتية، وإجراء تحقيقات شفافة تكشف للرأي العام أسباب تكرار الأعطال؟

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...