البحر الأحمر يعيد السودان إلى حسابات الإقليم
السودان بين إعادة الاصطفاف الإقليمي وصراع الشرعيات
تحليل ــ صوت الأمة
لم يعد من الممكن فهم المشهد السياسي في السودان حصرًا من خلال موازين القوى الداخلية بين القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، وحلفائهما المدنيين والسياسيين. فهناك إعادة اصطفاف إقليمي أوسع نطاقًا تتشكل عبر البحر الأحمر والخليج والقرن الأفريقي، ويعيد الموقع الاستراتيجي للسودان بصورة متزايدة إدخاله في حسابات القوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
وتكتسب التطورات الأخيرة دلالة خاصة عند قراءتها مجتمعة، لا باعتبارها أحداثًا منفصلة. فقد تحركت المملكة العربية السعودية نحو إضفاء طابع مؤسسي على علاقتها مع السودان من خلال إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني. وفي الوقت نفسه، عمّقت تركيا انخراطها السياسي والعسكري مع الخرطوم. وقد أكد الرئيس رجب طيب أردوغان علنًا متانة علاقته بعبد الفتاح البرهان، بالتوازي مع توسع الاتصالات العسكرية رفيعة المستوى، وكان أحدثها زيارة رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ياسر العطا، إلى أنقرة ولقاءاته مع رئيس هيئة الأركان التركية ووزير الدفاع التركي. وتأتي هذه التطورات في سياق تنسيق استراتيجي متزايد بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب إعادة تشكيل أوسع للاصطفافات الإقليمية تشمل الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
ولا ينبغي بالضرورة تفسير هذه التطورات على أنها تعكس نشوء تكتلات جامدة أو متنافسة. لكنها تشير، مع ذلك، إلى بروز نظام إقليمي جديد تكتسب فيه السيطرة على الممرات البحرية والموانئ وسلاسل الإمداد والشراكات الدفاعية والوصول إلى البحر الأحمر أهمية استراتيجية متزايدة.
ويحتل السودان موقعًا لا يمكن تجاوزه في هذه البنية الإقليمية الآخذة في التشكل. فساحله الممتد على البحر الأحمر، وميناء بورتسودان والمنشآت البحرية المحتملة الأخرى، وقربه من المملكة العربية السعودية ومصر والقرن الأفريقي، فضلًا عن موقعه الرابط بين الساحل الأفريقي ووادي النيل والبحر الأحمر، كلها عوامل تمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز بكثير الديناميات المباشرة للحرب الأهلية الدائرة فيه.
ولهذا التحول تداعيات مهمة على السياق السياسي المحيط بحكومة السودان وقيادتها.
ومن منظور البرهان، قد تعزز البيئة الإقليمية الناشئة بصورة متزايدة الاعتقاد بأن شخصه والمؤسسات القائمة في الخرطوم يظلان الجهة الرئيسية التي لا بد للقوى الخارجية من التعامل معها عند الانخراط في الشأن السوداني. ومن ثم، قد يُقرأ تعميق تركيا لانخراطها، وتعزز العلاقة مع السعودية، والموقف المصري المستقر تجاه مؤسسات الدولة السودانية، إلى جانب تطورات دبلوماسية أخرى، في الخرطوم باعتبارها مؤشرات على أن الانخراط الدولي، بما في ذلك من جانب الدول الغربية وغيرها، يتحول تدريجيًا من التساؤل حول إمكانية تجاوز القيادة الحالية للدولة السودانية إلى البحث في كيفية التعامل معها.
ولا يعني ذلك وجود اعتراف دولي بالبرهان باعتباره القائد السياسي غير المنازع للسودان، كما لا ينتقص من استمرار التأكيد الدولي على الحكم المدني والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة. لكنه قد يعزز موقعه مقارنة بمحاولات قوات الدعم السريع إنشاء مؤسسات سياسية موازية.
ويكتسب الانخراط الأخير للاتحاد الأفريقي أهمية خاصة في هذا السياق.
فلا يزال السودان معلق العضوية في أنشطة الاتحاد الأفريقي منذ استيلاء الجيش على السلطة في أكتوبر 2021، وقد أعاد مجلس السلم والأمن الأفريقي التأكيد على هذا التعليق في فبراير 2026. غير أن وفدًا من مجلس السلم والأمن الأفريقي قام، في 16 و17 أغسطس، ببعثة ميدانية إلى السودان، التقى خلالها البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس وعددًا من الفاعلين السودانيين، وناقش وقف إطلاق النار، والوصول الإنساني، واستئناف العملية السياسية. كما جدد المجلس رفضه لأي حكومات أو كيانات موازية من شأنها تقويض وحدة السودان وسيادته.
ومن ثم، فإن توقيت هذه الزيارة، التي جاءت مباشرة بعد إعلان البرهان تأييده حوارًا وطنيًا يُطلق من الداخل، وتقديمه ضمانات سياسية وقانونية وأمنية للمشاركين فيه، يحمل دلالة سياسية مهمة.
ويساعد ذلك في تفسير احتمال أن تكون أهداف الحوار السوداني المقترح أوسع بكثير من مجرد تحقيق المصالحة بين القوى السياسية.
ومن التفسيرات المعقولة أن البرهان ينظر إلى الحوار باعتباره أداة لإعادة بناء الشرعية المؤسسية والدستورية للدولة السودانية تحت قيادته. فقد يوفر هذا المسار آلية لاستكمال تشكيل مؤسسات الفترة الانتقالية التي لا تزال ناقصة، وعلى رأسها إنشاء هيئة تشريعية تمثيلية أو برلمان انتقالي. كما قد يوسع قاعدة المشاركة المدنية حول الحكومة القائمة، ويؤسس إطارًا متوافقًا عليه لاستكمال البنية المؤسسية للمرحلة الانتقالية.
وإذا اتسمت العملية بدرجة كافية من الشمول والمصداقية، فإن مثل هذه النتيجة ستمنح الخرطوم أساسًا أقوى بكثير للمطالبة باستعادة السودان مشاركته الكاملة في الاتحاد الأفريقي.
وقد يكون الحساب الكامن وراء ذلك بسيطًا في جوهره: السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لاستعادة شرعية السودان على المستوى القاري؛ بل يتطلب تحقيق ذلك مسارًا سياسيًا.
ومن ثم، ينبغي فهم مبادرة البرهان الأخيرة للحوار ليس فقط باعتبارها استجابة لضغوط سياسية داخلية، بل أيضًا كجزء من جهد أوسع لإعادة تموضع الدولة السودانية دوليًا. ويكتسب الموقف الأمريكي أهمية في هذا السياق. فقد أبدت واشنطن استعدادها لدعم حوار سوداني حقيقي وشامل وبقيادة مدنية، مع استمرارها في التأكيد على المعايير الإنسانية والسياسية. وهذا يعني استمرار وجود اختلافات مهمة حول هيكل العملية وملكيتها، لكنه يشير أيضًا إلى أن النقاش بدأ ينتقل من سؤال ما إذا كان ينبغي أن يكون هناك حوار أصلًا، إلى الشروط التي يمكن في ظلها اعتبار ذلك الحوار ذا مصداقية.
وبالنسبة للبرهان، فإن إحراز تقدم في العلاقة مع الاتحاد الأفريقي سيكون ذا أثر بالغ. فاستعادة السودان مشاركته في الاتحاد الأفريقي لن تمثل مجرد إنجاز دبلوماسي، بل من شأنها أن تغيّر بصورة ملموسة موازين القوى السياسية الداخلية التي أفرزتها الحرب.
فهي ستعزز مطالبة سلطات الخرطوم بتمثيل استمرارية الدولة السودانية، وفي الوقت نفسه ستزيد من تعقيد مشروع الدعم السريع وتحالف تأسيس الرامي إلى إنشاء مؤسسات سياسية وإدارية موازية في المناطق الواقعة تحت سيطرتهما. كما أن الرفض الصريح من جانب الاتحاد الأفريقي للحكومات الموازية يشكل في حد ذاته قيدًا سياسيًا مهمًا على هذا المشروع.
وستمتد التداعيات أيضًا إلى المعارضة المدنية السودانية.
فكل من معسكر الدعم السريع/تأسيس، بوصفه التحدي العسكري الرئيسي للخرطوم، وتحالف صمود، باعتباره أحد أبرز خصومها السياسيين المدنيين، سيجد نفسه أمام بيئة سياسية متغيرة. فقد تشكلت روايتاهما السياسيتان الحاليتان في سياق كانت فيه شرعية حكومة البرهان موضع نزاع، وظل السودان معلق العضوية في الاتحاد الأفريقي، بينما انصب قدر كبير من الاهتمام الدولي على إمكانية الانتقال إلى بديل مدني.
أما إذا نجحت الخرطوم في تنظيم حوار يتمتع بدرجة كافية من المصداقية، وإنشاء مؤسسات انتقالية أوسع تمثيلًا، وفتح مسار يؤدي إلى استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، فإن كلا المعسكرين سيضطر إلى إعادة تقييم استراتيجيته السياسية.
وبالنسبة للدعم السريع وتحالف تأسيس، سيصبح السؤال المركزي هو ما إذا كان استمرار المواجهة العسكرية والسعي إلى إنشاء مؤسسات موازية يظلان خيارًا سياسيًا قابلًا للاستمرار في سياق باتت فيه قوى إقليمية مؤثرة والاتحاد الأفريقي يؤكدان بصورة متزايدة سيادة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية.
أما بالنسبة لتحالف صمود، فسيكون التحدي مختلفًا، لكنه لا يقل أهمية. إذ سيتعين عليه تقدير ما إذا كان البقاء خارج حوار منطلق من الداخل يعزز مطالبته بانتقال ديمقراطي مدني حقيقي، أم أنه قد يؤدي إلى استبعاده من عملية سياسية تكتسب تدريجيًا شرعية داخلية وإقليمية، وربما قارية.
ولا يعني أي من ذلك أن البرهان قد ضمن هذه الشرعية بالفعل. فما يزال الحوار عرضة للفشل إذا اتسم بالإقصاء أو التلاعب أو العجز عن استيعاب القوى الرئيسية. بل إن أي عملية يُنظر إليها باعتبارها مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية على السلطات القائمة لن يكون من المرجح أن تحل الأزمة السياسية في السودان، وقد تزيد من حدة الاستقطاب.
لكن السياق الاستراتيجي قد تغير.
ويبدو أن البرهان قد أدرك أن المكاسب العسكرية والانخراط الدبلوماسي الإقليمي بحاجة إلى أن تُترجم إلى شرعية سياسية ومؤسسية. وقد يمثل الحوار المقترح الآلية التي يسعى من خلالها إلى تحقيق هذا الانتقال، شريطة أن يسمح للقوى المدنية والسياسية التي تقبل بالحوار، من مختلف ألوان الطيف السياسي والمدني، بأن تتوافق بنفسها على مبادئ الحوار وشروطه وآلياته ومخرجاته، وأن يقوم بتوفير الأجواء وتقديم الضمانات اللازمة لذلك ولتنفيذ مخرجاته، وفقًا للوعود التي قطعها في هذا الصدد.
وإذا نجح الحوار بالقدر الذي يمكّن السودان من استعادة مشاركته الكاملة في الاتحاد الأفريقي، فإن النتائج ستتجاوز كثيرًا مسألة الاعتراف الدبلوماسي. فقد يعيد ذلك تشكيل ميزان القوى السياسي بين الخرطوم والمناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، ويغير حسابات المعارضة المدنية السودانية، ويعزز المكانة الدولية لمؤسسات الدولة القائمة، وقد يؤثر في نهاية المطاف على مسار الصراع نفسه.
وعليه، لم يعد السؤال المركزي هو مجرد ما إذا كان السودان سيعقد حوارًا أم لا. بل أصبح السؤال: أي نظام سياسي يُراد لهذا الحوار أن ينتجه؟ ومن سيشارك في صياغته؟ وهل يمكن لمخرجاته أن تشكل أساسًا لاستعادة شرعية الدولة السودانية ووحدتها؟



التعليقات (0)
جاري التحميل...