من وقف الحرب إلى إعادة بناء الدولة.. البحث عن مخرج لـ "الأزمة السودانية"

 الواثق البرير: القوة العسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر للشرعية السياسية

عمر الدقير: الواقعية السياسية لا تعني القبول بحلول تعيد إنتاج الأزمة

الانتقال يجب أن يكون جسرًا من الحرب إلى الدولة، ومن الشرعية الانتقالية إلى الشرعية الديمقراطية

المجتمع الدولي والإقليمي دوره التيسير، وليس صناعة الحل

عادل سيد أحمد خليفة: الجلوس وطرح الرؤية لا يعني بالضرورة قبولها

عمر الدقير: وقف الحرب يجب أن يفتح الباب أمام مشروع وطني

لا حسم عسكريًا.. والأزمة السودانية "أزمة دولة"

السلام ليس انتصار طرف على آخر، وإنما انتصار وطن على الحرب

العملية السياسية يجب أن تكون سودانية الملكية

لا نريد عملية سياسية لتوزيع المكاسب والمناصب

تغطية: نادرة المهدي

 

ناقش المنتدى الدوري لصحيفة «صوت الأمة»، بمركز عافر في العاصمة المصرية القاهرة، سبل الخروج من الحرب السودانية، ومسارات وقف إطلاق النار والعملية السياسية، ومستقبل القوى المدنية، ودور الوسطاء الإقليميين والدوليين، إلى جانب قضايا إعادة تأسيس الدولة، والعدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، والاقتصاد، والعلاقة بين المركز والهامش.

وجمع المنتدى، الذي جاء تحت عنوان «المخرج الممكن من الأزمة السودانية»، قيادات سياسية ومدنية ومهتمين بالشأن السوداني في نقاش مفتوح حول السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف تتوقف الحرب، وكيف يتحول وقفها إلى مدخل لإنهاء الأزمة السودانية، لا إلى مجرد هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الصراع؟

 

وشارك في المنتدى رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف صمود، المهندس عمر الدقير، والأمين العام لحزب الأمة القومي والقيادي بتحالف صمود، الواثق البرير، فيما أدار الجلسة الأستاذ عادل سيد أحمد خليفة. وشهد المنتدى مداخلات وأسئلة متعددة من الحضور تناولت الحوار الذي طرحته قيادة الجيش، وعلاقة القوى المدنية بطرفي الحرب، وموقفها من المبادرات الإقليمية والدولية، ومحاولات توحيد القوى المناهضة للحرب، ومستقبل الأحزاب والقوى المدنية.

عمر الدقير: كيف نوقف الحرب؟

في مستهل مداخلته، أشاد المهندس عمر الدقير بدور صحيفة «صوت الأمة» في نشر الوعي وإتاحة مساحات للنقاش السياسي في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، قبل أن يضع السؤال المركزي أمام المنتدى: كيف نوقف الحرب؟

وقال إن الخروج من الأزمة يحتاج إلى ثلاثة مسارات مترابطة، تتمثل في وقف الحرب، والهدنة الإنسانية، والعملية السياسية، مشددًا على أن هذه المسارات لا ينبغي أن يعمل بعضها بمعزل عن الآخر.

وأوضح أن العملية السياسية المطلوبة ليست صفقة جديدة لتوزيع السلطة والمناصب، وإنما عملية ذات مصداقية وواسعة المشاركة، تضم النقابات والمجتمع الأهلي والتقليدي والنساء والشباب ومختلف القوى الوطنية.

 

وأكد أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى تحول مدني ديمقراطي، ووحدة الوطن، وبناء جيش مهني، وتحقيق العدالة للجميع، مع استحضار الإرادة الشعبية التي عبرت عنها ثورة ديسمبر.

"لا نريد عملية سياسية لتوزيع المكاسب والمناصب"

وشدد الدقير على أن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج التجارب السابقة التي تحولت فيها التسويات السياسية إلى ترتيبات لتقاسم النفوذ، وإنما إلى عملية تؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ البلاد.

وقال إن المطلوب هو عملية سياسية تقود إلى دولة مدنية ديمقراطية، وتحافظ على وحدة السودان، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.

لا يمكن تجاهل مخاوف الجيش والدعم السريع

وفي ما يتعلق بطرفي الحرب، قال الدقير إنه لا يمكن تجاهل مخاوف الجيش السوداني والدعم السريع ورؤيتهما تجاه أي تسوية سياسية، مشيرًا إلى أن التعامل مع هذه المخاوف يمكن أن يساعد في خلق حوافز للانتقال المدني.

لكنه شدد على أن مخاوف أطراف الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى تكريس سياسي مصدره السلاح، مؤكدًا أن مستقبل الدولة والحكم يجب أن تحدده عملية سياسية مدنية، وليس موازين القوة العسكرية.

 

وقال إن القوى المدنية تنظر إلى المجتمع الدولي والإقليمي باعتباره طرفًا مساعدًا في التيسير، وليس بديلًا عن الإرادة الوطنية.

وأشار إلى أن القوى الوطنية تعاني من حالة من التشرذم، داعيًا إلى تجاوز الخلافات والانتصار على الذات، باعتبار أن استمرار الانقسام بين القوى المدنية يضعف قدرتها على التأثير في مسار الأزمة.

تفكيك اقتصاد الحرب والعدالة الانتقالية

ووضع الدقير تفكيك اقتصاد الحرب وشبكات التمويل والمصالح المرتبطة باستمرار الصراع ضمن أولويات المرحلة المقبلة.

كما شدد على أهمية العدالة الانتقالية، بحيث تكشف الحقيقة، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، وتجبر الضرر، وتراعي في الوقت نفسه المصلحة الوطنية والحاجة إلى بناء سلام مستدام.

وطرح رئيس حزب المؤتمر السوداني مجموعة من الأسئلة التي اعتبرها جوهرية في أي مشروع وطني لما بعد الحرب، من بينها:

على أي أسس ستتم إعادة إعمار السودان؟

أي نظام ديمقراطي ستُعاد صياغة الدولة على أساسه؟

كيف يُبنى نظام حكم فدرالي يعالج اختلال العلاقة بين المركز والهامش؟

كيف تتحقق عدالة المشاركة في السلطة والثروة؟

ما علاقة الدين بالدولة بما يحفظ التنوع ويصون الحقوق؟

كيف يُبنى جيش مهني وطني واحد؟

وكيف يُعاد هيكلة الاقتصاد السوداني بما يجعل تنوع الموارد في خدمة جميع السودانيين؟

 

ودعا الدقير إلى إطلاق حوار وطني دستوري واسع يشارك فيه السودانيون بمختلف مكوناتهم، من أجل الاتفاق على الأسس التي ستقوم عليها الدولة الجديدة.

السلام انتصار وطن على الحرب

وأكد الدقير أن السلام لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتصار طرف على طرف، وإنما انتصار الوطن على الحرب.

وقال إن السودان لن يستقر بسيطرة جماعة واحدة، ولن يُبنى بإلغاء أي مكون من مكوناته، مشددًا على أن وقف الحرب يجب أن يكون مدخلًا لمشروع تأسيس وطني جديد.

قيادة الجيش غير مفتوحة على الحل السياسي

وفي حديثه عن الدعوة التي طرحها الفريق أول عبد الفتاح البرهان للحوار، قال الدقير إن قيادة الجيش، من وجهة نظره، "غير مفتوحة على الحل السياسي السلمي"، وإنها تتكيف مع وقائع الحرب،

وقال الدقير إن القوى المدنية تحتاج إلى دعم المجتمع الدولي والإقليمي في مجال التيسير والضغط، لكن صناعة الحل يجب أن تكون سودانية.

 

وأوضح أن قوة الدفع الأساسية ينبغي أن تأتي من السودانيين أنفسهم، وأن المجتمع الدولي والإقليمي لا يستطيع صناعة حل مستدام إذا لم تتوافر إرادة وطنية سودانية.

الخماسية.. من التيسير إلى تصميم العملية

وتطرق الدقير إلى دور "الآلية الخماسية"، معتبرًا أنها تمثل منبرًا مناسبًا لتيسير العملية السياسية، لكنه قال إنها تجاوزت، في مرحلة معينة، مهمة التيسير إلى التدخل في تصميم العملية نفسها.

وتضم الآلية الخماسية الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد".

وأوضح أن القوى المدنية فوجئت بتغيير في أطراف العملية، ما دفعها إلى مقاطعة التعامل معها، قبل أن تطلب لاحقًا عقد اجتماع معها.

وكشف عن اتجاه لتشكيل لجنة تحضيرية تتولى تحديد أجندة الحوار وأطرافه ومراحله، مع بحث مسألة مشاركة المؤتمر الوطني.

وأكد أن المشاركة في العملية السياسية ينبغي أن ترتبط بمعايير واضحة، أهمها الإيمان بضرورة وقف الحرب، والاعتراف بالإرادة الشعبية التي عبرت عنها ثورة ديسمبر.

واختتم الدقير بالتأكيد على ضرورة أن تكون الحرب الحالية آخر حروب السودان، وأن يتم الوصول إلى معادلة مشتركة للعيش في دولة واحدة متنوعة، تقوم على الحوكمة الرشيدة والمواطنة والعدالة، مستعيدًا شعارات الثورة: "حرية، سلام، وعدالة".

 

الواثق البرير: الأزمة السودانية "أزمة دولة"

من جانبه، قال الواثق البرير، الأمين العام لحزب الأمة القومي، إن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في حرب بين طرفين أو صراع على السلطة، وإنما هي في جوهرها "أزمة دولة" تراكمت أسبابها واختلالاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية على مدى عقود.

وأوضح أن تجارب السودان السابقة، بما فيها اتفاقية السلام الشامل واتفاق جوبا، أظهرت أن توقيع الاتفاقات لا يكفي لصناعة السلام، ما لم تتم معالجة جذور الأزمة وربط التسوية السياسية بإصلاح مؤسسات الدولة وبناء القدرة على تنفيذ الاتفاقات.

لا حسم عسكريًا

وأكد البرير أن مسار الحرب منذ 15 أبريل أثبت أن الرهان على الحسم العسكري لا يوفر مخرجًا حقيقيًا للأزمة.

وقال إن تحقيق أحد الطرفين تقدمًا عسكريًا أو تغييرًا في موازين القوى لا يعني بالضرورة معالجة جذور الصراع، ولا يضمن قيام دولة موحدة ومستقرة أو تحقيق سلام مستدام.

ودعا إلى الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى مسار تفاوضي جاد يقود إلى وقف القتال وتسوية سياسية قابلة للاستمرار.

وحدد البرير بداية المسار في اتخاذ ترتيبات إنسانية عاجلة لحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وخفض التصعيد، وبناء الثقة، وصولًا إلى وقف شامل لإطلاق النار.

 

وشدد على ضرورة أن يخضع وقف إطلاق النار لآلية واضحة ومستقلة للمراقبة والتحقق، وأن ترافقه ترتيبات أمنية وعسكرية ملزمة، بضمانات إقليمية ودولية وآليات واضحة للتعامل مع الخروقات.

مساران متزامنان

ورفض البرير انتظار انتهاء الحرب بالكامل قبل بدء العملية السياسية، كما رفض استخدام العملية السياسية بديلًا عن وقف الحرب.

ودعا إلى مسارين متزامنين ومتكاملين:

المسار الأول: أمني وعسكري، يركز على حماية المدنيين، وخفض التصعيد، ووقف إطلاق النار، وتنفيذ الترتيبات الأمنية والعسكرية.

المسار الثاني: سياسي، يركز على بناء التوافق الوطني حول أسس التسوية ومستقبل الدولة.

وقال إن تقدم أحد المسارين من شأنه أن يعزز فرص نجاح المسار الآخر.

العملية السياسية يجب أن تكون سودانية الملكية

وشدد البرير على أن العملية السياسية ينبغي أن تكون سودانية الملكية والقيادة، مقترحًا إنشاء آلية تحضيرية وطنية محدودة ومتوازنة ومتوافق عليها، تتمتع بالاستقلال والمصداقية.

 

وأوضح أن هذه الآلية يمكن أن تتولى وضع أسس العملية السياسية، ومعايير المشاركة، والأجندة، والمراحل، وآليات اتخاذ القرار.

وأكد أهمية الدور الإقليمي والدولي في دعم جهود السلام، لكنه شدد على أن يكون هذا الدور مساندًا لعملية سودانية ذات ملكية وقيادة وطنية، ويحترم سيادة السودان واستقلال قراره.

ودعا إلى بناء تفاهمات مع الدول الإقليمية المؤثرة لتوحيد الجهود الداعمة لوقف الحرب، والحد من تضارب المصالح والتدخلات التي تطيل أمد الصراع.

الشمول المسؤول

ودعا البرير إلى توسيع المشاركة السياسية، لكن من دون تحويل العملية إلى ساحة لإغراقها أو تعطيلها.

وقال إن معايير المشاركة يجب أن تقوم على الاستقلالية، والتمثيل الحقيقي، والالتزام بإنهاء الحرب والحلول السلمية والدولة المدنية الديمقراطية.

وأكد البرير أن الجيش والدعم السريع وبقية أطراف النزاع لا يمكن تجاهل أدوارها في إنهاء الحرب وتنفيذ وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والعسكرية.

لكنه شدد على ضرورة التمييز بين المشاركة في تنفيذ السلام وبين الحق في ممارسة السلطة السياسية.

 

ثلاثة رجال يشاركون في ندوة أو اجتماع، يجلسون خلف طاولة خشبية ويستمعون باهتمام، مع وجود شعار

وقال إن المشاركة في تنفيذ اتفاق السلام لا ينبغي أن تتحول إلى استحقاق دائم في الحكم، كما لا ينبغي أن تتحول القوة العسكرية إلى مصدر للشرعية السياسية.

إصلاح الدولة لمنع عودة الحرب

ووضع البرير إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، وبناء جيش وطني مهني موحد، وإنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، ضمن أولويات مرحلة ما بعد الحرب.

كما دعا إلى إخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للقيادة المدنية الدستورية، وتفكيك اقتصاد الحرب وشبكات المصالح المرتبطة باستمرار الصراع.

وشدد كذلك على ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية، بما يضمن الحقيقة والإنصاف والمحاسبة وجبر الضرر، مع دعم المصالحة الوطنية.

انتقال مدني محدود المدة

واقترح البرير مرحلة انتقالية محددة المهام والمدة بقيادة مدنية دستورية، تركز على تنفيذ اتفاق السلام، وإصلاح مؤسسات الدولة والقطاع الأمني والعسكري، وتحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة، وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين.

 

وحذر من تحول المرحلة الانتقالية إلى نظام حكم دائم أو إلى محاصصة سياسية جديدة.

وقال إن الانتقال يجب أن يكون جسرًا من الحرب إلى الدولة، ومن الشرعية الانتقالية إلى الشرعية الديمقراطية.

وأكد البرير أن القضايا الدستورية الكبرى لا ينبغي أن تحسمها موازين القوى العسكرية أو تسوية بين النخب وحدها.

ودعا إلى عملية دستورية وطنية واسعة تفضي إلى توافق دستوري يستمد شرعيته من الشعب السوداني، على أن تكون الانتخابات الحرة والنزيهة في نهاية المسار مدخلًا إلى الشرعية الديمقراطية.

بين الحوار والقطيعة ومخاطر الانقسام

بعد مداخلتي الدقير والبرير، فتح رئيس الجلسة، عادل سيد أحمد خليفة، باب النقاش أمام الحضور، داعيًا إلى تقديم المداخلات والأسئلة والاستفسارات والأفكار، لإتاحة أكبر مساحة ممكنة للمشاركين.

وتعددت الأسئلة حول مستقبل القوى المدنية، وعلاقتها بالشارع، والتواصل مع طرفي الحرب، وموقفها من دعوة البرهان، وتوحيد القوى المناهضة للحرب، فضلًا عن المخاوف من محاولات شق الأحزاب والقوى السياسية.

ماذا فعلت القوى المدنية مع المحور الإقليمي؟

 

أشاد الصحفي  عبد الباقي جبارة بتنظيم المنتدى، وتناول الحوار الذي طرحته قيادة الجيش، معتبرًا أن الدعوة قد تكون مرتبطة بالبحث عن الشرعية وكسب الوقت.

وأشار إلى وجود خلافات داخل القوى المدنية والحركات المسلحة، وقال إن القوى المدنية حققت نجاحًا على المستوى الخارجي في عقد الاجتماعات وطرح رؤيتها، لكن لا تزال هناك، في تقديره، فجوة بينها وبين الشارع السوداني.

وطرح سؤالًا حول المحور الإقليمي، مشيرًا إلى وجود دول مؤثرة يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في الحرب، ومتسائلًا: ماذا فعلت القوى المدنية مع المحور الإقليمي؟

لماذا لا تتوحد القوى المناهضة للحرب؟

رئيس تحرير صحيفة "صوت الأمة" طاهر المعتصم، طرح سؤالًا حول الاجتماعات المرتقبة في أديس أبابا بين قوى مدنية مختلفة، من بينها تحالف صمود، والمؤتمر الشعبي، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، وآخرون.

وأشار إلى تكرار مثل هذه اللقاءات في نيروبي وغيرها، متسائلًا عن أسباب عدم توحيد القوى المناهضة للحرب وتشكيل جبهة سياسية واحدة.

وقال إن توحيد هذه القوى يمكن أن يساعد في مواجهة خطر تقسيم السودان ودعم وحدة البلاد.

وطرح المعتصم سؤالاً  آخر :هل يستهدف الحوار شق حزب الأمة القومي؟، بالإضافة إلى ما يثار بشأن محاولات تقسيم الأحزاب ومنازعة شرعيتها.

وأشار إلى التحركات التي تجري في الخرطوم من جانب عبد الرحمن الصادق في دار الأمة، وما يصاحبها من اجتماعات ودعوات، متسائلًا عما إذا كان حزب الأمة القومي يواجه تهديدًا بشقه في حال عدم الالتزام بالحوار، وكيف سيتعامل الحزب مع ذلك.

وقال إن المسألة لا تقتصر على حزب الأمة، وإنما توجد، بحسب رأيه، محاولات في عدد من الأحزاب، معتبرًا أن ذلك يمثل عودة إلى أساليب سياسية قديمة اتُبعت خلال عهد البشير لتفكيك الأحزاب وإضعافها.

كيف يتم التواصل مع طرفي الحرب؟

ركز الصحفي شوقي عبد العظيم على سؤال التواصل مع طرفي الحرب، مشيرًا إلى أن عددًا من مداخلات المنتدى ربطت الحل بصورة أساسية بأطراف الصراع.

وتساءل عن كيفية تواصل القوى المدنية مع الجيش والدعم السريع لطرح رؤيتها والتأثير في مسار الحرب.

كما تساءل عما إذا كانت دعوة البرهان تمثل فرصة للتواصل، وما إذا كان التواصل مع الدعم السريع قائمًا بالفعل، مؤكدًا أن أطراف الحرب ستكون لها، في نهاية المطاف، أدوار في السلام وتنفيذ العملية السياسية.

هل يعزل الموقف الأخلاقي القوى المدنية عن الواقع؟

تساءل رئيس تحرير مجلة أفق جديد عثمان فضل الله، عما إذا كان تمسك القوى المدنية بمواقفها الأخلاقية والمبدئية يمكن أن يتحول، في بعض الأحيان، إلى عائق أمام التعامل مع الواقع السياسي والعسكري.

وأشار إلى أن أطرافًا تحمل السلاح وتمسك بموازين القوة على الأرض، بينما تتمسك القوى المدنية بمواقف مبدئية، متسائلًا عما إذا كان ذلك قد يؤدي إلى تجاوزها سياسيًا.

كما أشار إلى التطورات المتعلقة بتشكيل مؤسسات تشريعية وتعيين رئيس للوزراء، وما قد يترتب عليها من تطورات سياسية، إلى جانب الحملات التي تستهدف القوى المدنية في الشارع.

أوقفوا الحرب أولًا.. ثم ناقشوا السلطة"

وفي مداخلتها، دعت الصحفية بــ "صوت الأمة" نادرة المهدي القوى السياسية والمدنية إلى تقديم مصلحة الشعب السوداني ووقف الحرب على ما عداهما من اعتبارات سياسية.

وقالت إنها استمعت إلى الدقير والبرير، مع استحضار حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودانيون، متسائلة عن مسؤولية القوى السياسية والمدنية، بما فيها تحالف صمود وغيرها، تجاه هذه الكارثة.

وأشارت إلى دعوة البرهان، متسائلة: هل فكرت القوى المدنية في مصلحة الشعب السوداني قبل كل شيء؟

ودعت القوى المدنية إلى الجلوس مع من يمسكون بالسلطة، معتبرة أن الأولوية العاجلة هي وقف الحرب.

وقالت إن القوى المدنية تستطيع الجلوس مع مختلف مكوناتها ووضع شروطها، والوصول إلى اتفاق تكون أولويته وقف الحرب، حتى يتمكن السودانيون من العودة إلى بلادهم ومنازلهم، ثم الانتقال إلى مناقشة قضايا السلطة والمدنية والثورة.

الجلوس للحوار لا يعني قبول شروط الطرف الآخر

أبدى رئيس الجلسة، عادل سيد أحمد خليفة، تأييده لمبدأ الجلوس للحوار.

وقال إن الجلوس وطرح الرؤية لا يعني بالضرورة قبول رؤية الطرف الآخر، فإذا قُبلت الرؤية يمكن المضي فيها، وإذا لم تُقبل فإن القوى المدنية لا تكون قد خسرت، وإنما تكون قد سجلت موقفًا سياسيًا لمصلحة الشعب السوداني.

تساءل توفيق عقيل عن خطة القوى المدنية للتعامل مع ما وصفه بالمراوغة وكسب الوقت.

وقال إن الدعوات التي يطلقها الإسلاميون للحديث عن الحوار أصبحت معروفة، مشيرًا إلى أن الخطاب انتقل من الحديث عن العنف والحسم إلى الحديث عن الحوار.

وتساءل عن كيفية تعامل القوى المدنية مع هذا التحول، في وقت وصل فيه الشارع السوداني، بحسب تعبيره، إلى مرحلة نفد فيها صبره، متسائلًا عن الخطة السياسية المطلوبة للتعامل مع واقع متحرك بسرعة.

لماذا لا "تُقلب الطاولة" سياسيًا؟

استحضر عمر محمد آدم تجربة القوى المدنية عندما كانت ضمن "تقدم" قبل الانقسام، مشيرًا إلى دعوتها طرفي الصراع إلى الجلوس، واستجابة الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي" والجلوس معها وتوقيع إعلان مبادئ.

وتساءل عما إذا كانت الدعوة الحالية من قائد الجيش يمكن أن تمثل فرصة لاستكمال ذلك المسار.

وقال إنه إذا كانت الدعوة مناورة، فإن القوى المدنية تستطيع التعامل معها سياسيًا عبر إعلان شروطها بوضوح، وإيصال رسائلها إلى المجتمع الدولي والفاعلين الإقليميين.

ورأى أن التعامل السياسي مع الدعوة يمكن أن يسهم في تفكيك معسكر الحرب، وأن الخطاب الذي يستبعد المؤتمر الوطني يمكن استثماره سياسيًا، بحيث تصبح القوى المدنية هي الطرف الذي يمسك زمام المبادرة السياسية، لا القوة العسكرية.

بين جدية الحوار واستمرار التواصل

في الجزء الأخير من المنتدى، رد الواثق البرير وعمر الدقير على مداخلات الحضور، وركزا بصورة خاصة على طبيعة الحوار الذي تطرحه قيادة الجيش، ومسألة التواصل مع طرفي الحرب، وأولوية وقف إطلاق النار، ومستقبل القوى المدنية.

الواثق البرير: الحوار المطروح لا يعكس جدية لإنهاء الحرب

 

قال البرير إن الحوار المطروح من قيادة الجيش لا يعكس، من وجهة نظره، جدية حقيقية لإيقاف الحرب، وإنما يُستخدم كأداة سياسية للالتفاف على القوى المدنية ومحاولة إعادة إنتاج النظام القديم.

وأكد أن محاولات شق الصف الداخلي للأحزاب، بما فيها حزب الأمة، تمثل امتدادًا لسياسات قديمة.

وشدد على أن شرعية الأحزاب تستمد من قواعدها وجماهيرها، وليس من قرارات سلطة الأمر الواقع.

وأكد البرير أن التواصل مع طرفي الصراع لم يتوقف، وأن القوى المدنية تسعى إلى نقل رؤيتها مباشرة، والمتمثلة في ضرورة وقف الاشتباكات وحماية المدنيين.

وأشار كذلك إلى استمرار التحرك الدبلوماسي مع دول الجوار والمحيط الإقليمي والدولي، للضغط باتجاه تجميد الحرب وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

"موقف مبدئي لا تصلب"

وشدد البرير على أن القوى المدنية ليست متصلبة، وإنما تتمسك بموقف مبدئي يرفض شرعنة الانقلاب أو استخدام الحوار لتمرير أجندة استمرار الحرب.

وقال إن التركيز ينبغي أن ينصب على إنهاء معاناة السودانيين، مع الاستعداد للتعامل السياسي الذي يقود إلى وقف الحرب.

 

مجموعة من الرجال والنساء يجلسون في قاعة لحضور ندوة أو اجتماع، يستمعون إلى متحدثين يجلسون خلف طاولة أمام لافتة تحمل اسم

من جانبه، أوضح عمر الدقير أن جلوس القوى المدنية سابقًا مع طرفي الصراع، بما في ذلك توقيع إعلان مبادئ أديس أبابا، لم يكن اصطفافًا مع طرف ضد آخر، وإنما كان هدفه وضع حد للحرب.

وقال إن أي دعوة للحوار ينبغي أن تخضع لاختبار الجدية، فإذا كانت مناورة لكسب الوقت، فإن الواجب السياسي هو كشفها وتقديم رؤية القوى المدنية للشارع السوداني والمجتمع الدولي.

وقف إطلاق النار أولوية

واتفق الدقير مع ما طرحه الحضور حول حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها المواطنون والنازحون واللاجئون والمرأة السودانية.

وأكد أن الأولوية القصوى للقوى المدنية هي وقف إطلاق النار فورًا وفتح الممرات الإنسانية.

وقال إن الواقعية السياسية لا تعني القبول بحلول جزئية أو الدخول في ترتيبات سياسية تعيد إنتاج الأزمة.

ودعا الدقير إلى بناء جبهة مدنية عريضة ومتماسكة تتجاوز الخلافات التفصيلية، لمواجهة خطر تقسيم البلاد واستمرار الحرب.

وأشار إلى أن اللقاءات المشتركة التي عقدت في نيروبي وأديس أبابا وغيرها تسير، بحسب تقديره، في اتجاه توحيد رؤى القوى المناهضة للحرب.

وأكد استمرار التنسيق لتشكيل كتلة مدنية قادرة على الضغط من أجل وقف النزاع وإعادة تأسيس التحول الديمقراطي المدني.

من وقف الحرب إلى مشروع تأسيس الدولة

 

أظهر النقاش الذي شهدته جلسات المنتدى أن الخلاف بين القوى السياسية والمدنية لا يدور فقط حول كيفية وقف الحرب، وإنما يمتد إلى طبيعة العملية السياسية التي يجب أن تلي وقف إطلاق النار، ومن يملكها، ومن يشارك فيها، وما إذا كانت ستقود إلى إعادة إنتاج التوازنات القديمة أم إلى تأسيس دولة سودانية جديدة.

ورغم تباين المواقف بشأن الحوار مع قيادة الجيش، ودور الوسطاء الإقليميين والدوليين، وطبيعة التواصل مع طرفي الحرب، فإن مداخلات المنتدى التقت عند حقيقة أساسية تتمثل في أن استمرار الحرب لا يقدم حلًا للأزمة السودانية، وأن الرهان على الحسم العسكري لا يكفي لبناء سلام مستدام.

وبرز اتجاهان متكاملان في النقاش؛ الأول يدفع باتجاه التحرك السياسي والتفاوضي بالتوازي مع وقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية، والثاني يحذر من أن تتحول أي تسوية إلى صفقة لتقاسم السلطة أو إلى تكريس سياسي للقوة العسكرية.

كما كشفت المداخلات عن حاجة ملحة إلى إعادة بناء الجبهة المدنية، وتجاوز الانقسامات الداخلية، واستعادة الصلة بالشارع السوداني، وبناء قدرة سياسية مستقلة على مخاطبة طرفي الحرب والقوى الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، اتفق المتحدثون على أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون غاية نهائية، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مدخل لمسار أوسع يشمل تفكيك اقتصاد الحرب، والعدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وبناء جيش وطني مهني موحد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق عملية دستورية واسعة، وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين.

ومن بين أبرز الرسائل التي خرج بها المنتدى أن المطلوب ليس فقط إنهاء الحرب الحالية، وإنما جعلها آخر حروب السودان، عبر معالجة جذور الأزمة التي ظلت تعيد إنتاج النزاعات والانقلابات والتسويات الهشة.

وبذلك، فإن وقف الحرب هو بداية الطريق وليس نهايته؛ إذ يفترض أن يفتح الباب أمام مشروع تأسيس وطني يعيد صياغة علاقة السودانيين بالدولة والسلطة، ويضع مستقبل الحكم في يد عملية سياسية مدنية وإرادة شعبية، لا في يد السلاح وموازين القوة.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...