دارفور - صوت الأمة
عند أطراف الصحراء القاحلة بشمال دارفور، يخوض آلاف المدنيين معركة صامتة وقاسية ضد أزمة إنسانية مركبة، تتداخل فيها أزمات الجوع وانعدام الدواء والمياه. ويحدث ذلك في مدينة كانت تعد نقطة وصول تجارية حدودية مهمة تربط إقليم دارفور بالولاية الشمالية، كما تشكل ممرًا حيويًا للإمداد والتموين خلال الحرب المستمرة في البلاد للعام الرابع على التوالي.
لم تعد موائد الأسر في محلية "المالحة" تُفرش بالوجبات، بل أضحت تُبسط عليها كميات شحيحة من الطعام، يتقاسمها الصغار والكبار لسد رمقهم، انتظارًا لشيء قد لا يأتي. لكن الأمل، رغم ثقل الغلاء وقسوة الأيام، لا يزال باقيًا.
"المالحة".. قصتها مع الحرب
بدأت قصة مدينة "المالحة" الاستراتيجية بولاية شمال دارفور مع الحرب في 20 مارس 2025، عندما شنت قوات "الدعم السريع" هجومًا كبيرًا عليها، قبل أن تعلن سيطرتها على المدينة.
وتقع "المالحة" على بعد نحو 200 كيلومتر شمال مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، فيما تبعد نحو 1000 كيلومتر عن مدينة الدبة بالولاية الشمالية، من الناحية الغربية، وتفصل بين المدينتين مساحات صحراوية واسعة.
وتتمتع المنطقة بموارد معدنية وثروة حيوانية، إذ تضم سوقًا كبيرًا للثروة الحيوانية والإبل، كما تشتهر بجبال العطرون المنتجة لمادة العطرون.
وتتكون محلية المالحة من عدد من الوحدات الإدارية، من بينها "المالحة، عين بسارو، أبو قران، أم بياضة، ماريقا والحلف"، وتغلب على المنطقة الطبيعة الصحراوية وشبه الصحراوية.
شبح "المجاعة" يلوح في المدينة
في 30 يونيو، حذرت غرفة طوارئ محلية "المالحة" بشمال دارفور، في بيان، من أزمة إنسانية وغذائية حادة تنذر بوقوع مجاعة.
ودعا المرصد السوداني لحقوق الإنسان ومنظمة بزا للتنمية والخدمات الإنسانية وبناء السلام إلى استجابة عاجلة للحد من تداعيات الأزمة.
وعزا مجلس تنسيق الغرفة الأزمة، في بيان، إلى الحصار وإغلاق الطرق الحيوية، خاصة طريق "المثلث - المالحة"، والطريق الشرقي المؤدي إلى الدبة، الأمر الذي قال إنه أدى إلى شلل شبه تام في حركة التجارة وانقطاع الإمدادات.
كما تسبب فشل الموسم الزراعي ونقص الغذاء في ارتفاع أسعار الذرة والدخن، حيث وصل سعر الجوال إلى 500 ألف جنيه سوداني، بحسب آخر تقرير لمنظمة الجسور للسلام والتنمية من منطقة الحارة بالمحلية.
شهادات مؤلمة
"لم تعد الأسر تعد وجباتها كما في السابق، بل تبحث عن أقل ما يسد الرمق، وسط انعدام المال والبطالة وغلاء أسعار الذرة"، يقول محمد أحمد، الذي وصل إلى نيالا من مدينة "المالحة" بسبب البطالة.
وأفاد مصدران، أحدهما في مجلس تنسيق غرف الطوارئ، بأن البلدة التي كانت نقطة وصول تجارية حدودية تعيش أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة منذ يونيو، بعد إغلاق الطرق الحيوية وتوقف الإمدادات والسلع والخدمات الأساسية، في ظل غياب شبه تام للمنظمات الإنسانية.
ووصف المصدر الثاني الوضع بـ"الكارثي"، مشيرًا إلى أن السلع المتوفرة تُباع بأسعار مرتفعة جدًا لا يستطيع المواطنون تحملها.
وأكد أن معظم السكان يعيشون على وجبة واحدة يوميًا، غالبًا ما تكون من الذرة أو "بليلة الدخن".
وفي قلب هذا الحصار، تشابكت أزمة الجوع مع عطش قاسٍ، إثر انعدام الوقود وتوقف آبار ضخ المياه عن العمل.
"الحصول على قطرة ماء يتطلب رحلة شاقة، يقطع فيها الشخص مسافات طويلة للوصول إلى مصادر غير آمنة، قد تضاعف المخاطر الصحية على كاهل أسر أنهكها الجوع أصلًا"، يقول عضو في غرفة طوارئ المالحة.
وبين ليلة وضحاها، تحولت المدينة التي كانت قلعة تجارية يُضرب بها المثل في الوفرة إلى مجتمع يخوض واحدة من أصعب معارك البقاء، حيث يعيش نحو 270 ألف مواطن تحت وطأة الجوع والعطش، بسبب الحصار وتوقف قوافل الشاحنات.



التعليقات (0)
جاري التحميل...