صوت الأمة: تقرير

"الكيزان وينهم؟"، هكذا اختصر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، موقفه من سؤال ظل يطارده منذ اندلاع الحرب، بشأن ما إذا كان الإسلاميون، ولا سيما المؤتمر الوطني، ما زالوا حاضرين داخل السلطة والدولة والحرب، أم أن الحديث عن نفوذهم مجرد ورقة في الصراع السياسي.

لكن السؤال الذي أراد البرهان إغلاقه بالنفي عاد إلى الواجهة من مسار آخر، ففي يوليو 2025، كشفت (رويترز)، في مقابلة مع أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني، عن خطاب سياسي لا يتحدث عن تنظيم انتهى دوره، بل عن حزب يرى لنفسه موقعًا في مستقبل السودان، ويربط دعمه للجيش برؤية سياسية لما بعد الحرب.

ولم يتوقف الأمر عند حديث هارون، ففي سبتمبر الحالي، التقى الكاتب مصطفى البطل هارون في لقاء امتد أربع ساعات، وكتب لاحقًا أن المؤتمر الوطني "الأكثر متانة والأوسع انتشارًا والأعمق تأثيرًا" يقف إلى جانب الجيش وقيادته. وهي إفادة سياسية لا يمكن فصلها عن واقع أن هارون يقدّم نفسه حاليًا رئيسًا للمؤتمر الوطني، وأن الحزب أصدر، في 16 سبتمبر، بيانًا سياسيًا باسمه.

وهنا تحديدًا تظهر المفارقة، فالمؤتمر الوطني، الذي يُقال إنه غائب عن المشهد، ما تزال قياداته تتحدث باسمه، ويصدر بياناته، ويعلن مواقفه السياسية، بما يجعل مسألة وجوده أكثر تعقيدًا من مجرد نفي حضوره في السلطة.

المسألة، بحسب المحللين الذين تحدثوا إلى (صوت الأمة)، لا تتعلق بالاسم وحده، ولا بما إذا كان من المناسب استخدام كلمة "الكيزان" من عدمه، وإنما بما هو أعمق، وهو ما إذا كانت سنوات طويلة من الحكم قد خلقت شبكة من الكوادر والامتدادات والنفوذ يصعب محوها بخطاب سياسي.

ويعود سؤال البرهان "الكيزان وينهم؟" هنا بوصفه مدخلًا إلى مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد إثبات الحضور أو نفيه، فالمؤتمر الوطني لا يزال حاضرًا في الخطاب السياسي عبر قياداته وبياناته ومواقفه المعلنة، بينما يستمر الجدل بشأن امتدادات الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة وسياق الحرب. ومن هذه النقطة، تتباين قراءات المحللين الذين تحدثوا إلى (صوت الأمة) حول طبيعة هذا الحضور، وما إذا كان امتدادًا تنظيميًا متراكمًا، أو جزءًا من حسابات تكتيكية، أو انعكاسًا لبنية دولة تسمح للقوى القديمة بالاحتفاظ بمواقع نفوذ بعد خروجها من الحكم.

حضور يتجاوز النفي

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي دكتور محمد تورشين أن البداية الصحيحة هي ضبط المصطلح نفسه، موضحًا أن المقصود في الحالة السودانية، عند الحديث عن "الكيزان"، هو المؤتمر الوطني، والأدق تسميته باسمه حتى لا تُحمّل قوى سياسية أخرى مسؤولية أزمة ليست طرفًا فيها.

ويقول تورشين لـ(صوت الأمة) إن إنكار وجود المؤتمر الوطني يصطدم بإرث ثلاثة عقود من الحكم، تمدد خلالها الحزب داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، معتبرًا أن هذا الإرث التنظيمي لا يمكن أن يتلاشى بمجرد تصريح سياسي.

ويضيف أن عناصر محسوبة على المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ما تزال حاضرة في المشهد السياسي والعسكري، مشيرًا إلى تشكيلات مسلحة، بينها "البراء بن مالك"، وإلى عناصر داخل مؤسسات نظامية، ويرى أن محاولة تقديم هذا الحضور باعتباره غير موجود لا تنسجم مع الوقائع التي يراها ماثلة في المشهد.

وبحسب تورشين، فإن البرهان يحاول فك الارتباط بالمؤتمر الوطني بسبب الثقل السياسي والتبعات المرتبطة به، لكن النفي، في تقديره، لا يلغي وجودًا تنظيميًا وشبكات نفوذ تراكمت على مدى عقود.

ويضع المسألة في صيغة أكثر مباشرة، فهناك فارق بين القول إن "لا أثر للمؤتمر الوطني" والقول إنه "لا وجود له"، لأن الوجود التنظيمي والسياسي، في تقديره، لا تمحوه الكلمات. وإذا كان البرهان يريد بالفعل إخراج المؤتمر الوطني من المشهد، فإن ذلك، بحسب تورشين، لا يتم بالتصريحات، وإنما بقرارات حاسمة تُخرج عناصره من مواقع التأثير السياسي والعسكري.

غير أن هذه القراءة لا تفسر وحدها طبيعة تعامل البرهان مع الإسلاميين، وهنا ينتقل الجدل من مسألة الوجود إلى كيفية توظيف هذا الوجود داخل معادلات الحرب والسياسة.

توظيف تكتيكي متبادل

أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، دكتور إبراهيم كباشي، يرى أن خطاب البرهان نفسه جزء من طبيعة الواقع السياسي الراهن، حيث تطغى الحسابات التكتيكية على الرؤى الاستراتيجية، وتتحرك القوى السياسية والعسكرية وفق ترتيبات مرحلية أكثر من تحركها وفق مشروع طويل المدى.

ويقول كباشي في إفادته لـ(صوت الأمة) إن علاقة البرهان بالإسلاميين تقوم، في جانب منها، على "توظيف تكتيكي متبادل"، إذ يستخدمهم في الداخل كورقة مساندة في موازين الصراع، بينما يميل في خطابه الخارجي إلى نفي حضورهم أو التقليل من نفوذهم.

ويرى أن هذه الازدواجية تكشف، وفق قراءته، جانبًا من الأزمة، فالإسلاميون ورقة في الداخل، وعبء سياسي في الخارج. ويعتقد كباشي أن البرهان يحتاج إلى أدواتهم داخل معادلة الحرب، لكنه في الوقت نفسه يحاول النأي بنفسه عنهم أمام الخارج، بما يسمح له بإدارة توازنات متناقضة وكسب الوقت.

ويعتقد أن هذا النوع من الخطاب بدأ يفقد قدرته على إحداث اختراقات، لأن الوقائع أصبحت أكثر انكشافًا، والمجتمع الدولي أكثر اطلاعًا على تعقيدات المشهد السوداني. ويستشهد في هذا السياق بأزمة تأشيرة البرهان إلى الولايات المتحدة، التي أفادت (رويترز)، في 22 سبتمبر، بأن واشنطن كانت تحجب إصدارها وسط خلاف حول مقترح هدنة لمدة 90 يومًا، وهو ما يقدمه كباشي بوصفه مؤشرًا على محدودية فاعلية التسويق السياسي الخارجي.

ويحذر أستاذ العلوم السياسية، من أن استمرار إدارة الدولة بعقلية تكتيكية، في ظل أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة، يدفع البلاد إلى مزيد من التعقيد، لأن الخطاب يصبح تبريريًا وملاحقًا للأحداث بدلًا من أن يكون منتجًا للحلول.

ويرى أن استمرار نفوذ الإسلاميين داخل مساحات من أجهزة الدولة، بحسب تقديره، لا يمكن حسمه بالإنكار، وأن المشكلة الأوسع تكمن في غياب رؤية استراتيجية واضحة لإدارة الدولة وما بعد الحرب.

امتدادات صنعتها سنوات الحكم

لكن قراءة ثالثة تضع المسألة في إطار مختلف، فلا تنظر إلى استمرار حضور الإسلاميين باعتباره بالضرورة دليلًا على صفقة سياسية مع البرهان، وإنما باعتباره نتيجة لطبيعة الدولة السودانية نفسها وتعقيدات انتقال السلطة. حيث يقول المحلل السياسي د. راشد محمد علي في مقابلة مع (صوت الأمة) إن حديث البرهان عن وجود الإسلاميين داخل السلطة وصناعة القرار يأتي في سياق صراع سياسي تتبادل فيه الأطراف الاتهامات، ومن الطبيعي، في تقديره، أن يسعى رئيس مجلس السيادة إلى الرد على هذه الاتهامات والتأكيد على أنه يقف على مسافة واحدة من التنظيمات السياسية.

لكن محمد علي يلفت إلى أن المشكلة أعمق من مجرد موقف البرهان، لأن خروج أي تنظيم من الحكم لا يعني بالضرورة اختفاءه من الدولة أو المجتمع. فطول البقاء في السلطة، إلى جانب ضعف البناء المؤسسي للدولة، يسمح للقوى السياسية بتكوين امتدادات وشبكات نفوذ تستمر حتى بعد مغادرة مواقع الحكم.

وبهذا المعنى، فإن ظهور الإسلاميين مجددًا في المشهد، بحسب راشد، يمكن قراءته ضمن طبيعة الصراع على النفوذ، فهناك من يسعى إلى إبقائهم جزءًا من المعادلة، في مقابل قطاعات اجتماعية وسياسية ترفض عودتهم إلى السلطة.

ويشير إلى أن المجتمع السوداني نفسه منقسم حول هذا الحضور، فيما تظل موازين القوى السياسية، في تقديره، متأثرة بالعوامل والتدخلات الخارجية.

إفادات المحللين تتقاطع، في أن إنكار الوجود لا يكفي لتفسير المشهد، لكن قراءاتهم تتباين في تفسير طبيعة هذا الوجود، فتورشين يراه امتدادًا تنظيميًا وسياسيًا لمؤتمر وطني حكم ثلاثة عقود، وكباشي يقرأه كورقة تُستخدم ضمن حسابات تكتيكية متبادلة، بينما يربطه راشد ببنية دولة ضعيفة المؤسسات تسمح للتنظيمات القديمة بالبقاء بعد خروجها من السلطة.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...