الحل في السودان يجب أن يكون مدنياً لا عسكرياً، عبر حوار يجمع طرفي الحرب والقوى المدنية الحقيقية
استمرار الحرب قد يقود إلى تفتيت السودان.
يجب التوافق على عقد اجتماعي جديد.
نرفض تشبث المؤتمر الوطني بالسلطة وعدم إتاحة الحريات.
تكثر المبادرات الساعية إلى فتح مسار سياسي ينهي القتال الدائر في السودان منذ أبريل 2023، في وقت تتباين فيه رؤى القوى المدنية بشأن الدعوة التي طرحها قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان للحوار، وفي خضم هذا المشهد، تبرز أسئلة أعمق حول مستقبل الحكم في السودان، وإمكانية إعادة إنتاج التجربة السياسية للإسلاميين التي سبقت الحرب.
يرى القيادي بحزب المؤتمر الشعبي محمد بدر الدين أن الحل في السودان لن يكون عسكرياً، وإنما عبر مسار مدني يجمع طرفي الحرب والقوى المدنية الحقيقية، محذراً من أن استمرار القتال قد يقود إلى تفتيت البلاد وتهديد مستقبل أجيال كاملة.
وينتقد بدر الدين، في حوار مع «صوت الأمة»، ما يسميه «الوثبة الثانية»، معتبراً أن الحوار الذي يجري من طرف واحد لن يقود إلى حل، ويدعو إلى التوافق على عقد اجتماعي جديد وديمقراطية توافقية تقوم على التمثيل النسبي.
ويرفض بدر الدين عودة الحركة الإسلامية إلى الحكم بصورتها القديمة، قائلاً إن «التاريخ تجاوزها»، وإن ما يثار حول عودتها يعكس أشواقاً لدى بعض قياداتها، كما ينتقد تشبث المؤتمر الوطني المحلول بالسلطة ورفضه إتاحة الحريات، مؤكداً أن إعادة إنتاج التجربة السابقة ليست حلاً للأزمة السودانية.
حاوره رئيس التحرير
مع حلول العام الرابع للحرب، هناك تحركات للقوى المدنية تجاه الحوار الذي طرحه الفريق أول عبد الفتاح البرهان. ما رأيكم؟
هذا في تقديري هو لقاء الوثبة الثانية، وهو لقاء من جانب واحد مع أشخاص منتقين، وهم قالوا إنهم عينوا أنفسهم، ونحن نرى أن الحوار يُعلن من جهة واحدة في الحرب، وهو مضيعة لوقت الشعب السوداني ولن يؤدي إلى أي حلول، ولم يتم اختيارهم عبر توافق حقيقي بين القوى السياسية والمدنية، والحوار بهذه الطريقة لا يؤدي الغرض المطلوب، خصوصاً أن الحرب ما زالت مستعرة.
الأمثل أن يكون الحوار مع القوى السياسية الحقيقية، وبوجود القوى العسكرية المتحاربة على الأرض، بهدف الوصول إلى مسار سياسي يقود في النهاية إلى حل الأزمة.
ما تقديراتكم لمسار المبادرات الدولية والإقليمية، خصوصاً الرباعية والخماسية؟
كنا نفتكر أن الرباعية هي الإطار الأمثل لحل المشكلة السودانية، رغم تحفظنا على بعض بنودها، لأنها طرحت أطروحات يجب أن نقف معها وندعمها.
وعندما جاءت الخماسية كان يجب أن تدعم ما قدمته الرباعية، ولكنها جاءت بشيء جديد، وللأسف، تم إهمال كل ما كان قائماً من جهود سابقة للرباعية.
ونحن في القوى السياسية والمدنية متفقون على ملاحظات في الخماسية تتعلق بإصلاح ما طرحته الخماسية من قضايا الحوار وأجندة الحوار وأطراف الحوار.
وكان الأولى إصلاح ما بدأته الخماسية، خصوصاً في أجندة الحوار. فعندما تكون هناك دعوة للأطراف، يجب أن تتم مشاورة القوى المدنية بشأنها. وأعتقد أن عدم حدوث ذلك كان أحد أسباب فشل اللقاء التشاوري.
ما أهم ملامح وثيقة أديس أبابا التي طرحتها القوى المدنية؟
القوى المدنية تداعت بقيادات على مستوى عالٍ، وأهم ملامحها أنها لم ترفض الحوار السوداني ـ السوداني من حيث المبدأ، ولكنها أنتجت لجنة تنسيقية لإدارة الحوار السوداني ـ السوداني بأسس جديدة، وألا يأتي الحوار من طرف واحد، ولكن من طرفي الحرب والقوى المدنية.
الوثيقة تقوم على حوار بين طرفي النزاع والقوى المدنية، وتؤكد أن الحل يجب أن يكون مدنياً وغير عسكري.
كما تناولت دور المجتمعين الإقليمي والدولي، وطرحت كل القضايا المعلقة منذ اندلاع الحرب، وأوكلت إلى اللجنة التنسيقية مهمة مخاطبة طرفي الحرب، إلى جانب مخاطبة القوى الإقليمية والدولية ذات الصلة بالأزمة السودانية.
لكن القوى المناهضة للحرب سبق أن وقعت وثيقة لطرفي النزاع، وتعرضت القوى المدنية بعدها للتخوين. ألا تخشون تكرار الأمر؟
الوثيقة الأولى كانت مثالية، وهي بمثابة إعلان مبادئ، أما الوثيقة الحالية فهي أكثر تفصيلاً، ولذلك يجب أن ينظر إليها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بإيجابية إذا كان حريصاً على السلام، وكذلك قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، وسنبعث بها إليهما.
ونتوقع أن يكون هناك رد إيجابي عليها، وألا يتم التعامل معها من خلال شيطنتها أو تخوين القوى التي تقف وراءها.
هذه الوثيقة، في تقديرنا، تتضمن حلولاً لمشكلات الشعب السوداني الأساسية، من النزوح والحرب إلى الأزمة الاقتصادية وغيرها من القضايا التي ترتبت على استمرار الصراع ومعاناة الشعب السوداني.
كثير من المراقبين يرون أن السودان يسير باتجاه سيناريوهات شبيهة بليبيا أو الصومال. كيف تنظرون إلى هذا الاحتمال؟
الأمل أكبر من الخيبات، وما يوحد الشعب السوداني ويجمعه أكثر مما يفرقه، وإذا مضينا في الحرب سنذهب أكثر إلى التفتيت وأكثر إلى الانقسام.
لكن إذا لم تتوقف الحرب، فإن الخطر لن يكون مجرد انقسام السودان، وإنما تفتيته. وهذا ما يسعى إليه أعداء السودان والمتربصون بالسودان ومن يسيل لعابهم لموارد السودان.
علينا أن ننظر أيضاً إلى الأجيال التي فقدت حقها في التعليم والصحة وغيرها من الخدمات الأساسية. فاستمرار الحرب لا يدمر الحاضر فقط، وإنما يهدد مستقبل أجيال كاملة.
لذلك نرجو أن ينظر إلى الوثيقة التي اتفقنا عليها بإيجابية من قبل من يقودون الحرب، لأنها لا تنحاز لأي طرف، بل هي منحازة للوطن ووحدته.
هناك محاولات لالتئام شمل الحركة الإسلامية في إسطنبول، وقد زار الدكتور علي الحاج إسطنبول والتقى عدداً من قيادات الإسلام السياسي. هل ترون في ذلك محاولة لإعادة الحركة الإسلامية إلى شكلها القديم؟
عودة الحركة الإسلامية بشكلها القديم تجاوزها التاريخ. وما يحدث يعبر عن أشواق لدى بعض الإسلاميين، وهي مسألة مطروحة من قبل الحرب، قلنا لهم.
نحن اختلفنا في السابق حول أصول ومبادئ أساسية، منها الحريات ومحاربة الفساد والفدرالية. فهل من العقل أن نلتقي مرة أخرى حول ذات القضايا التي اختلفنا عليها سابقاً؟
الآن المسافة بيننا وبين الطرف الآخر شاسعة جداً، هم يطرحون شعارات لا علاقة لها بالواقع.
لقد عانينا ما عانيناه، ولو كانت الفدرالية قد طُبقت لما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.
ما الذي أدى، في تقديركم، إلى الوصول إلى الحرب الحالية؟
الرئيس السابق عمر البشير أصر على التعيين في حوار الوثبة الأولى، كما أصر على عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في الحوار الوطني الأول، خصوصاً ما يتعلق بإتاحة الحريات وفتح الحياة الديمقراطية.
وهذا المسار كان من العوامل التي قادت إلى الأزمة والحرب وتدمير البلد.
أما ما يُطرح حالياً، فأرشحه لمحاولة تضليل واستغفال وتهيئة الرأي العام لأشياء ليست هي القضايا الأساسية التي ينبغي أن ينشغل بها السودانيون.

المؤتمر الشعبي يعلن تمسكه بوحدة السودان ورفض الحرب والدعوة إلى جيش وطني واحد، أليس كذلك؟
نعم، لم يتغير موقفنا، ونحن ذهبنا خطوات متقدمة في هذا الاتجاه مع الحركة الشعبية وحركة جيش تحرير السودان.
كما اتفقنا مع حركة عبد الواحد على 90 ـ 95% من القضايا، وبقيت تفصيلة واحدة تتعلق بعلاقة الدين بالدولة، وهي القضية التي لم نتفق عليها، وهي مطروحة من بعض القوى العلمانية.
ونحن نطرح التوافق السياسي والعقد الاجتماعي، وقد نلتقي حول هذه المبادئ ونذهب إلى الانتخابات، وأن نطرح سوياً منهج العقد الاجتماعي الذي يمثل كل الشعب السوداني.
ونحن نريد الوصول إلى ديمقراطية توافقية، وبرلمان يقوم على التمثيل النسبي لكل القوى، حتى نستطيع تجاوز هذه المرحلة القادمة، وهي مرحلة هشة إذا قدر للحرب أن تتوقف.
كيف تنظرون إلى مشهد المؤتمر الوطني المحلول، الذي يتهمه خصومه بأنه صنع الحرب وأسهم في إنشاء ميليشيات مسلحة؟
المشهد الآن مؤلم لما وصل إليه حال الشعب السوداني، نحن نناصحهم، وخطوطنا مفتوحة معهم، كما هي مفتوحة مع الدعم السريع ومع كل القوى السياسية، لدينا أمر واحد، وهو وقف الحرب.
لكننا نرفض تشبثهم بالسلطة وعدم إتاحة الحريات، وفي الوقت نفسه، هناك بعض القيادات داخل النظام ترفض هذا النهج.
المطلوب في النهاية هو أن تكون الأولوية لوحدة السودان ووقف الحرب، والانتقال إلى حل سياسي مدني يضمن مشاركة السودانيين جميعاً، بعيداً عن الإقصاء أو محاولة فرض أي طرف لرؤيته بالقوة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...