صوت الأمة ــ سارة عطية
تتجه العلاقات بين الخرطوم وأنجمينا إلى واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ سنوات، مع انتقال تداعيات الحرب السودانية من داخل دارفور إلى الشريط الحدودي بين البلدين، وتصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم العسكري وحركة القوات والطائرات المسيّرة. ولم يعد الخلاف محصورًا في التصريحات السياسية، بعد أن دخلت الحدود نفسها دائرة التوتر الأمني، وسط مخاوف من أن تتحول الحرب السودانية إلى عامل مباشر في زعزعة استقرار تشاد وفتح جبهة إقليمية جديدة.
ويكتسب هذا التصعيد خطورته من طبيعة العلاقة بين البلدين، إذ تجمعهما حدود طويلة وامتدادات قبلية واجتماعية عابرة للحدود، إلى جانب إرث من حروب الوكالة ودعم الحركات المسلحة. ورغم أن الخرطوم وأنجمينا نجحتا منذ اتفاق 2010 في احتواء جانب كبير من هذه التوترات، فإن حرب 15 أبريل أعادت كثيرًا من الملفات القديمة إلى الواجهة في سياق أكثر تعقيدًا.
ومع إغلاق تشاد حدودها الشرقية في فبراير 2026، ثم اتهامها السودان في أغسطس بشن ضربة جوية داخل أراضيها واستهداف قافلة عسكرية، بات السؤال يتجاوز حدود الأزمة الدبلوماسية إلى احتمال الانزلاق نحو احتكاك مباشر. فإلى أي مدى يمكن احتواء هذا التصعيد؟ وهل تتحول الحدود السودانية التشادية إلى امتداد جديد للحرب؟
الحدود تتحول إلى ساحة ضغط جديدة
الخبير الإثيوبي في الشأن الأفريقي، أنور إبراهيم، يرى في حديثه لـ"صوت الأمة"، أن حرب منتصف أبريل تجاوزت بالفعل إطارها الداخلي، وأصبحت تداعياتها تضغط بصورة مباشرة على دول الجوار، وفي مقدمتها تشاد، التي تشهد علاقتها مع الخرطوم تصعيدًا متسارعًا بفعل الاتهامات المتبادلة والتداخلات المرتبطة بالحرب.
ويضع إبراهيم هذا التصعيد في إطار أوسع، مشيرًا إلى تحركات إقليمية ودولية متزايدة للضغط على الطرفين ومحاولة دفع كل منهما إلى تقديم تنازلات وترتيبات من شأنها احتواء التوتر قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة. لكنه يرى، في المقابل، أن هامش المناورة يضيق كلما استمرت العمليات العسكرية وحركة القوات والجماعات المسلحة بالقرب من الحدود.
وبحسب الخبير الإثيوبي، فإن بقاء قوات الدعم السريع في أجزاء واسعة من دارفور، وما يرتبط بذلك من تحركات وتداخلات على الحدود التشادية، يبقي احتمالات التصعيد قائمة. ويحذر من أن عدم احتواء هذه التحركات بعيدًا عن العمق التشادي قد يدفع الحدود تدريجيًا من كونها منطقة فاصلة بين البلدين إلى ساحة إضافية من ساحات الحرب السودانية.
ولا يقتصر الخطر، وفق تقديره، على الجانب الميداني وحده، إذ إن استمرار الاتهامات المتعلقة بتوفير دعم أو تسهيلات عسكرية قد يدفع إلى مزيد من الضغوط على تشاد، في وقت تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع تعقيدات الحرب السودانية.
ويعتبر إبراهيم أن معالجة هذا المسار تتطلب تدخلًا إقليميًا ودوليًا عاجلًا، لأن ترك الأزمة تتطور بصورة منفردة قد يجعل احتواءها أكثر صعوبة لاحقًا. ويربط إمكانية خفض التصعيد بمدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إعادة ضبط العلاقة بين الخرطوم وأنجمينا.
ويتوقع، في هذا الصدد، تحركات أفريقية ودولية خلال الفترة المقبلة، سواء عبر القمة الأفريقية المقبلة أو مجلس الأمن خلال سبتمبر الجاري، للحيلولة دون تحول الخلاف إلى صراع عسكري مباشر تكون كلفته أكبر من حدود البلدين.
لكن القراءة المرتبطة بالميدان والضغوط الإقليمية لا تفسر وحدها هشاشة العلاقة بين الخرطوم وأنجمينا، فخلف التوتر الراهن تاريخ طويل من الشكوك المتبادلة، وتجارب سابقة لدعم الحركات المسلحة، فضلًا عن تشابكات اجتماعية وقبلية تجعل أي أزمة بين الحكومتين أكثر قابلية للتمدد.
إرث حروب الوكالة يعود إلى الواجهة
ومن هذه الزاوية، يقول المحلل السياسي د. مصطفى الجميل، في مقابلة مع "صوت الأمة"، إن عمق الروابط القبلية والاجتماعية والتصاهر بين الشعبين لم يمنع تراكم شكوك متبادلة عبر عقود، إذ ظلت النخب التشادية تنظر إلى السودان باعتباره لاعبًا حاضرًا في عدد من التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها بلادها.
ويشير الجميل إلى أن هذا التصور ارتبط بمحطات بدأت منذ حركة "فرولينا"، مرورًا بالإطاحة بنظام حسين هبري عام 1990 ودعم حركة "MPS"، وصولًا إلى مرحلة حركات دارفور، وهي محطات أسهمت في ترسيخ انطباع داخل قطاعات من النخب التشادية بأن الأراضي السودانية شكلت، في مراحل مختلفة، مساحة لنشاط وتسليح الحركات المعارضة للأنظمة التشادية.
ورغم أن اتفاقية الحدود بين البلدين في 2010 وتكوين القوة المشتركة أسهما في تهدئة العلاقة، فإنهما، وفق الجميل، لم ينهيا الإرث السياسي والأمني المتراكم. ولذلك ظلت العلاقة قابلة للاهتزاز كلما اندلعت أزمة سياسية أو عسكرية في أحد البلدين.
ومع اندلاع حرب 15 أبريل، وجد هذا الإرث القديم طريقه مجددًا إلى المشهد، لكن في بيئة أكثر خطورة. ويقول الجميل إن الاتهامات السودانية لتشاد بدعم قوات الدعم السريع، إلى جانب تصريحات وتهديدات صدرت من بعض القيادات العسكرية السودانية، جاءت في مقابل خطاب رسمي يؤكد عدم رغبة الخرطوم في توتر العلاقات مع أنجمينا، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، فجوة بين الخطاب السياسي والتطورات الميدانية.
غير أن جوهر الأزمة، وفق الجميل، لا يكمن في المواقف الرسمية وحدها، بل يمتد إلى الامتدادات القبلية والاجتماعية العابرة للحدود. فالمكونات الاجتماعية الداعمة لقوات الدعم السريع، وكذلك بعض المكونات الداعمة للقوات المشتركة المتحالفة مع الجيش، لها امتدادات داخل تشاد، الأمر الذي يجعل الفصل بين تداعيات الحرب السودانية والواقع الاجتماعي في البلد المجاور أكثر صعوبة.
وبهذه القراءة، تتجاوز الحرب حدود الجغرافيا العسكرية، إذ تمتد آثارها الاجتماعية إلى الداخل التشادي، بما في ذلك إقامة سرادق عزاء لقتلى سقطوا في المعارك داخل السودان، إلى جانب الاتهامات المتكررة بشأن وصول طائرات مسيّرة أو معدات عسكرية إلى الأراضي التشادية.
وهكذا تصبح الحدود مجالًا تتقاطع فيه المعركة العسكرية مع الروابط القبلية والاجتماعية، بما يزيد احتمالات الانتقال من التأثير غير المباشر إلى الاحتكاك المباشر. لكن حتى مع ثقل هذا الإرث التاريخي، يظل مستقبل العلاقة مرهونًا إلى حد بعيد بما ستؤول إليه الحرب نفسها، وهو ما يفتح زاوية ثالثة تتعلق بمآلات الصراع داخل السودان وانعكاساتها على أنجمينا.
مستقبل العلاقة مرهون بمآلات الحرب
ومن هذه الزاوية، يرى أستاذ العلاقات الدولية معتز إبراهيم علي، في إفادته لـ"صوت الأمة"، أن الحرب ألقت بظلال ثقيلة على العلاقات بين الخرطوم وأنجمينا، ونقلت العلاقة من مساحة التعاون والتداخل الاجتماعي والحدودي إلى حالة من التوتر المتصاعد وتبادل الاتهامات.
ويشير علي إلى أن استمرار الحرب وتعقد المشهد الأمني على الحدود، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بشأن دعم أطراف الصراع، يهددان بزيادة الفجوة بين البلدين، خصوصًا في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية وتشابك المصالح الإقليمية.
لكنه يرى، في المقابل، أن مستقبل العلاقة لن يُحسم فقط بما يجري على الحدود، وإنما أيضًا بما ستؤول إليه الحرب داخل السودان. فاستمرار القتال، بحسب علي، قد يدفع نحو مزيد من التصعيد والقطيعة السياسية والأمنية، بينما يمكن أن يمثل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة مدخلًا لإعادة بناء الثقة واحتواء التوتر.
ومع ذلك، يلفت علي إلى أن المصالح المشتركة والتداخل القبلي والاجتماعي وطبيعة الحدود الممتدة بين البلدين تجعل الوصول إلى قطيعة كاملة أمرًا بالغ الصعوبة، حتى في ظل تصاعد الخلافات السياسية والأمنية.
وبين قراءة أنور إبراهيم التي تركز على مخاطر التمدد الإقليمي، وتحليل مصطفى الجميل الذي يعيد الأزمة إلى جذورها التاريخية والاجتماعية، ورؤية معتز إبراهيم علي التي تربط مستقبل العلاقة بمصير الحرب نفسها، تبدو العلاقات بين الخرطوم وأنجمينا عالقة بين إرث قديم من الشكوك وحاضر تفرضه حرب مفتوحة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...