صوت الأمة ــ سارة عطية
يدخل مشروع الحوار السوداني ــ السوداني، اليوم الأحد، مرحلة جديدة، مع ترقب عقد اللجنة التحضيرية لمبادرة الحوار الوطني مؤتمراً صحفياً في الخرطوم لإعلان موعد انطلاق الحوار وتفاصيل ترتيباته، وسط انقسام واضح بين قوى سياسية رحبت بالمبادرة وأخرى أعلنت رفضها المشاركة فيه، لتعود إلى الواجهة أسئلة تتجاوز موعد انعقاد الحوار إلى طبيعته وأطرافه والغاية السياسية التي يسعى إلى تحقيقها.
وقال عضو اللجنة التحضيرية للمبادرة، قاسم بدري، إن اللجنة تلقت ترحيباً واسعاً من قوى سياسية بالمشاركة في الحوار داخل السودان، موضحاً أنها أجرت اتصالات مع عدد منها، واستعرضت الضمانات والحصانات التي أعلنها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لتسهيل وصول المشاركين وتوفير الحماية لهم خلال فترة الحوار.
ويأتي ذلك بعد دعوة البرهان إلى حوار سوداني ــ سوداني تديره، بحسب ما أعلن، آلية وطنية مستقلة، في وقت تواجه فيه المبادرة اعتراضات من قوى سياسية معارضة ترى أن مكان انعقاد الحوار وطريقة تشكيله والأطراف المشاركة فيه ستحدد منذ البداية ما إذا كان أمام البلاد مسار سياسي حقيقي، أم محاولة جديدة لإعادة ترتيب المشهد السياسي في ظل استمرار الحرب.
معارضة تتحفظ على صيغة الحوار
وأعلنت قوى معارضة، من بينها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) وتنظيمات سياسية أخرى، عقب اجتماع عقدته في أديس أبابا، رفضها دعوة البرهان للحوار داخل السودان، معتبرة أن إجراء حوار في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش وتحت إشراف السلطة القائمة يفتقر إلى الحياد.
ورأت تلك القوى أن المبادرة قد تقود إلى شرعنة سلطة الأمر الواقع وإعادة تمكين قوى النظام السابق، ودعت، في المقابل، إلى مسار سلام مستقل تحت مظلة متفق عليها، يضع وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في مقدمة الأولويات قبل الانتقال إلى العملية السياسية.
وكان التحالف قد أعلن منذ طرح المبادرة أنه لم يتلقَّ اتصالاً رسمياً أو غير رسمي للمشاركة في ترتيبات الحوار، مؤكداً أن أي عملية سياسية لا تجعل إنهاء الحرب هدفها الأساسي قد تتحول إلى شرعنة للواقع الذي أفرزته الحرب.
في هذا المناخ المنقسم، يعود الحوار إلى واجهة المشهد السوداني، لا باعتباره مجرد استحقاق سياسي جديد، بل كاختبار لقدرة القوى السودانية على إنتاج مسار يتجاوز اصطفافات الحرب. فالقضية لم تعد في عقد مؤتمر أو إعلان لجنة تحضيرية، وإنما في ما إذا كان الحوار سيجمع الأطراف المتباينة فعلاً، ويضع وقف الحرب ومستقبل الدولة في صدارة أجندته، أم يتحول إلى مساحة تعكس موازين القوى القائمة وتعيد إنتاجها سياسياً.
شبح "حوار الوثبة"
وتزداد حساسية هذه الأسئلة مع استحضار تجربة حوار الوثبة الذي أطلقه الرئيس المخلوع عمر البشير، وانتهى إلى مخرجات لم تتمكن من معالجة جذور الأزمة السياسية، ولم تمنع البلاد من الانزلاق لاحقاً إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
غير أن تكرار التجربة لا يعني بالضرورة تكرار تفاصيلها، فالمشهد الحالي أكثر تعقيداً، والحرب أفرزت واقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً، ما يجعل أي حوار لا يعكس هذا التعدد عرضة لأن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة بدلاً من أن يكون مدخلاً لإنهائها.
فالخطر، وفق قراءات سياسية، لا يكمن فقط في فشل الحوار، وإنما في نجاحه شكلياً، أي أن ينتج صورة عن توافق وطني من دون أن يجمع القوى القادرة فعلياً على التأثير في مسار الحرب ومستقبل الدولة. وعندها قد يتحول الحوار من مساحة للبحث عن تسوية إلى منصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي من داخل معسكر واحد.
وقال المحلل السياسي د. صلاح الدومة، في إفادة لـ«صوت الأمة»، إن جدية أي حوار بشأن الأزمة السودانية تبدأ بجمع الأطراف المتنازعة والمتناقضة حول طاولة واحدة، وليس إدارة حوار داخل معسكر واحد، معتبراً أن الصيغة الجاري الإعداد لها تقترب مما أسماه "حوار الذات".
وأوضح الدومة أن الحوار، إذا كان جاداً، "يجب أن يكون بين الأطراف المتنازعة، لا مع الذات"، مشيراً إلى أن الحوار الحقيقي يفترض جمع "المعسكرين المتناقضين"، وهو ما لم يحدث، بحسب تقديره، وأضاف أن الصيغة الحالية أقرب إلى "أحادية الحوار".
ويرى الدومة أن الإصرار على إدارة الحوار داخل معسكر واحد يمثل مؤشراً على ضعف جدواه السياسية، لأن قوة أي عملية حوارية لا تقاس فقط بعدد المشاركين، وإنما بقدرتها على استيعاب التناقضات الحقيقية وإدارة الخلافات التي تقف وراء الأزمة.
وانتقد البيئة التي يزمع عقد الحوار فيها، معتبراً أنها غير مهيأة لحوار سياسي حقيقي في ظل غياب شروط الحرية والديمقراطية والعدالة، وقال إن ما قد يجري لن يكون حواراً بقدر ما هو "إملاء لواقع يفرض قسراً وجبراً على الجميع".
وحذر الدومة من أن يتحول الحوار إلى وسيلة للحشد السياسي بدلاً من البحث عن تسوية، قائلاً إن غياب الأطراف المختلفة والمناهضة للحرب سيجعل العملية أقرب إلى التعبئة منها إلى الحوار، وقد يقود إلى نتائج معدة مسبقاً.
وفي تقديره، فإن الهدف النهائي من الصيغة المطروحة يتصل بمحاولة توفير غطاء سياسي لاستمرار البرهان في موقع السلطة، إلى جانب إعادة قوى النظام السابق إلى المشهد السياسي ومنح عودتها صيغة رسمية داخل السلطة.
من يجلس إلى الطاولة؟
ومن زاوية أخرى، يرى المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ أن جوهر الحوار السياسي يقوم أساساً على جمع الأطراف المختلفة والمتباينة حول طاولة واحدة، مشيراً إلى أن اجتماع مجموعة متفقة أو موالية لطرف واحد لا يمكن وصفه بأنه حوار بالمعنى السياسي، وإنما أقرب إلى "اجتماع".
وأوضح أبو الجوخ، في مقابلة مع «صوت الأمة»، أن قيمة الحوار لا تأتي من عدد المشاركين فيه، وإنما من حجم الاختلاف الذي تحمله الطاولة وقدرتها على استيعابه وإدارته سياسياً، فالحوار، بحسب رؤيته، يفترض وجود رؤى متعارضة تبحث عن نقاط التقاء، وليس مجموعة واحدة تتبادل المواقف ذاتها.
ويرى أن الصيغة المطروحة حالياً تبدو أقرب إلى «مناورة سياسية» منها إلى عملية حوار حقيقية، مشيراً إلى أن الاختبار الأساسي لا يتمثل في انعقاد الحوار أو حجم الحضور، وإنما في طبيعة القوى التي ستدعى إليه، وتحديداً تلك التي تختلف مع السلطة أو ترفض الحرب.
ويقر أبو الجوخ بأن جمع الأطراف المتباينة ليس مهمة سهلة، لكنه يرى أن صعوبة جمع الخصوم لا تبرر تجاوزهم، لأن استبعاد المختلفين يفقد الحوار وظيفته الأساسية.
ويحذر من أن يتحول الحوار، إذا كان هدفه الحصول على التأييد أو الحشد لصالح البرهان، من عملية للبحث عن تسوية إلى أداة لتثبيت موقف سياسي سبق اتخاذه.
ويضيف أن غياب القوى المختلفة والمناهضة للحرب تحديداً قد يدفع الحوار في اتجاه معاكس تماماً للهدف المعلن، بحيث يتحول إلى منصة للتعبئة السياسية للحرب بدلاً من أن يكون مدخلاً لإنهائها.
ويحذر أبو الجوخ كذلك من أن تكون نتائج الحوار محددة قبل بدايته، بحيث يصبح دور المشاركين هو إضفاء المشروعية على مخرجات جاهزة، لا صناعة تلك المخرجات عبر النقاش والتوافق.
ويقول إن الحوار الذي لا يسمح للأصوات المختلفة بالدخول إلى الطاولة لا ينتج توافقاً، وإنما يعيد إنتاج موقف الطرف المسيطر في صورة قرار جماعي.
الحوار أم إعادة إنتاج السلطة؟
لكن أستاذ العلوم السياسية محمد إبراهيم أحمد يذهب بالنقاش إلى ما هو أبعد من مسألة التمثيل والمشاركة، معتبراً أن القضية الأساسية تتعلق بالوظيفة السياسية للحوار نفسه.
وقال محمد إبراهيم أحمد، في حديثه مع «صوت الأمة»، إن الحوار المطروح "صوري"، وإن الهدف منه، بحسب تقديره، ليس إيقاف الحرب أو العمل على حل المشكلة السودانية، وإنما إيجاد صيغة سياسية تتيح تمكين البرهان ومجموعته من الاستمرار في السلطة.
ويعتبر أن خطورة الحوار، في هذه الحالة، لا تكمن فقط في محدودية المشاركين، وإنما في تحويل الحوار من وسيلة للبحث عن مخرج للأزمة إلى أداة لإنتاج مشروعية سياسية جديدة للسلطة القائمة.
وبذلك، يصبح المطلوب، وفق قراءته، إعادة تقديم المشهد السياسي بعد الحرب من دون معالجة الشروط والأسباب التي أنتجت الحرب نفسها.
ويقول إن السؤال الذي يفترض أن يبدأ منه أي حوار جاد ليس "كيف تعاد هندسة السلطة؟"، وإنما "كيف تتوقف الحرب وكيف تستعاد الدولة؟".
ولذلك فإن تجاوز قضايا وقف الحرب، والمحاسبة على الانتهاكات، ومستقبل المؤسسة العسكرية، وشكل الدولة، وطبيعة النظام السياسي بعد الحرب، يجعل الحوار منفصلاً عن جوهر الأزمة السودانية.
ويحذر محمد إبراهيم من أن الخطر الأكبر قد لا يكون في فشل الحوار، وإنما في نجاحه بصورة شكلية تسمح باستخدام مخرجاته لاحقاً كغطاء سياسي لقرارات اتخذت مسبقاً، إذ يتحول الحوار عندها إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على أمر واقع، بدلاً من أن يكون مساحة لإعادة النظر فيه.
ويرى أن الشعب السوداني لا يحتاج إلى مؤتمر جديد لتبادل المواقف أو إعادة إنتاج الاصطفافات القائمة، وإنما إلى عملية سياسية تعترف بتعقيدات الأزمة وتضم أصحاب المصلحة الحقيقيين فيها، وتضع وقف الحرب واستعادة الدولة وبناء نظام سياسي جديد في مقدمة أولوياتها.
وبينما تستعد اللجنة التحضيرية للكشف من الخرطوم عن موعد انطلاق الحوار، تبدو الفجوة بين المؤيدين والمعارضين جزءاً من الاختبار الأول للمبادرة، فاللجنة تتحدث عن اتصالات وترحيب من قوى سياسية وضمانات لتأمين المشاركين، في حين ترى قوى معارضة رئيسية أن الحوار بصيغته ومكانه الحاليين لا يوفران الحياد المطلوب ولا يقدمان وقف الحرب باعتباره أولوية تسبق العملية السياسية.



التعليقات (0)
جاري التحميل...