صوت الأمة- نادرة المهدي
في ظل مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الانتهاكات في السودان، اتخذ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خطوة جديدة لتسليط الضوء على الوضع المتدهور في مدينة الأبيض ومحيطها، معتمدًا بالإجماع قرارًا يطالب بتحقيق عاجل في الانتهاكات المحتملة، وتعزيز حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال النزاع.
ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزايد التحذيرات الدولية من تحول الأبيض إلى ساحة جديدة لوقائع مشابهة لما شهدته مدينة الفاشر، حيث خلفت المعارك والانتهاكات موجات واسعة من القتل والنزوح والمعاناة الإنسانية.
وجاء اعتماد القرار عقب جلسة طارئة عقدها المجلس لبحث التطورات في المدينة، بناءً على مبادرة مشتركة تقدمت بها ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج والمملكة المتحدة، في ظل تحذيرات أممية وحقوقية من تعرض الأبيض، التي تضم أعدادًا كبيرة من المدنيين، لخطر هجمات واسعة النطاق.
وأكد القرار تمسك المجتمع الدولي بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض أية محاولات لتقويض مؤسسات الدولة أو فرض ترتيبات حكم موازية، داعيًا إلى حماية المدنيين وإنهاء الانتهاكات التي تعمق الأزمة الإنسانية.
إدانة للعنف والانتهاكات
وأدان مجلس حقوق الإنسان تصاعد أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها في الأبيض ومحيطها، مشيرًا إلى ما خلفته فترة طويلة من القيود على حركة السكان وتراجع الخدمات الأساسية، من آثار إنسانية قاسية.
كما أعرب المجلس عن إدانته لاستخدام العنف الجنسي والاغتصاب والعنف القائم على النوع الاجتماعي، مطالبًا بوقف الهجمات على المناطق المدنية، والدخول في هدنة إنسانية تمهد لوقف شامل ومستدام لإطلاق النار، مع ضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق.
وفي المقابل، شدد القرار على رفض جميع الانتهاكات المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك الهجمات الجوية والاستهداف غير المشروع للبنية التحتية المدنية، خصوصًا المنشآت الصحية، محذرًا من خطورة المساس بالمرافق التي يعتمد عليها السكان في ظل الأوضاع الإنسانية المتدهورة.
وأكد المجلس أن تجويع المدنيين أو عرقلة وصول المساعدات لا يمكن أن يكون أداة في الحرب، مطالبًا بتوفير ممرات آمنة لإيصال الدعم الإنساني إلى المحتاجين في مختلف مناطق السودان.
تحقيق دولي ومساءلة
وفي أبرز بنود القرار، كلف مجلس حقوق الإنسان بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان بإجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات المزعومة بمدينة الأبيض ومحيطها، بهدف تحديد المسؤولين عنها وتعزيز مسار العدالة الدولية.
وأشار القرار إلى أهمية دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة الإفلات من العقاب، مؤكدًا أن غياب المساءلة يشكل عاملًا مشجعًا على استمرار الانتهاكات.
كما جدد المجلس موقفه بأن الحل العسكري لن يضع حدًا للأزمة السودانية، داعيًا إلى عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون أنفسهم، بمشاركة القوى المدنية والنساء والشباب، وصولًا إلى انتقال سياسي يفضي إلى حكومة منتخبة ديمقراطيًا.
تحذيرات من تكرار سيناريو الفاشر
وخلال الجلسة، قالت ممثلة المملكة المتحدة لدى مجلس حقوق الإنسان، السفيرة إليانور ساندرز، إن خطر وقوع فظائع واسعة النطاق في الأبيض يتطلب تحركًا دوليًا سريعًا، مشددة على ضرورة عدم السماح بتكرار ما حدث في الفاشر.
بدوره، وصف ممثل جنوب أفريقيا لدى المجلس، السفير زهير لاهر، الوضع في الأبيض بأنه "إنذار أحمر"، لافتًا إلى التشابه بين أنماط الهجمات الحالية وتلك التي شهدتها مناطق أخرى من السودان.
ورحبت منظمات حقوقية بالقرار، إذ اعتبرت هيومن رايتس ووتش، أنه يمثل خطوة مهمة نحو منع وقوع انتهاكات جديدة، داعية الدول إلى زيادة الضغط على أطراف النزاع، ووقف تدفق الأسلحة، وضمان محاسبة المسؤولين.
كما رحبت لجنة العدالة (Committee for Justice) بالقرار، وقال مديرها التنفيذي، أحمد مفرح، إن حماية المدنيين لا يمكن أن تعتمد على بيانات الإدانة وحدها، بل تحتاج إلى آليات مراقبة فعالة وإجراءات دولية تضمن عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.
مطالب بتحويل القرار إلى إجراءات
وكان المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام ومرصد حقوق الإنسان السوداني، ضمن تحالف منظمات مدنية، قد طالبا بتحرك عاجل لحماية المدنيين في الأبيض وإجراء تحقيق دولي مستقل، محذرين من أن بطء الاستجابة الدولية قد يفتح الباب أمام تكرار الجرائم التي شهدتها مناطق أخرى من البلاد.
وفي أول تعليق حقوقي سوداني على القرار، قال المدير التنفيذي لمعهد جنيف لحقوق الإنسان في سويسرا، نزار عبد القادر صالح، إن اعتماد القرار بالإجماع يمثل "خطوة مهمة نحو تعزيز المساءلة"، ويعكس إدراك المجتمع الدولي لخطورة الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في السودان.
وأوضح صالح أن أهمية القرار تكمن في جمعه بين إدانة الانتهاكات والتأكيد على وحدة السودان، إلى جانب فتح الطريق أمام تحقيق دولي في أحداث الأبيض، لكنه شدد على أن نجاحه مرهون بتحويله إلى إجراءات عملية.
ودعا إلى إحالة التقارير الأممية والقرارات الخاصة بالسودان إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يسمح بالنظر في خطوات إضافية، من بينها توسيع حظر الأسلحة، وفرض عقوبات على المتورطين في الانتهاكات، وتعزيز آليات حماية المدنيين.
من جهتها، أفادت الناشطة والحقوقية زحل الأمين بأن إدانة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تمثل أول إدانة قوية من المجلس لأطراف النزاع، مشيرة إلى أنها تشكل ضغطًا من المجتمع الدولي، كما يمكن أن تمثل أدلة دامغة للمساءلة، سواء في حال إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو فرض عقوبات من مجلس الأمن الدولي، أو إخضاع الانتهاكات لتحقيقات من قبل لجان تابعة لمجلس حقوق الإنسان.
وأضافت أن القرار جاء لمصلحة المدنيين، معربةً عن أملها في أن يلتزم طرفا النزاع بتنفيذه، ومراعاة مصالح المدنيين، وعدم انتهاك حقوقهم أو خرق قواعد القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان المعمول بها أثناء النزاعات المسلحة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...